نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02

الجزء ٣ · صفحة ٢٧

ثم فرّع الله على صفة اللّين أوامر بصفات كلها مناسبة لخلق اللّين منها:

أ- (فَاعْفُ عَنْهُمْ): فالعفو من صفات الله العلية وفي الحديث: «اللّهم أنت العفوّ تحبّ العفو فاعف عني»(1)، يقول المتنبّي:

وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ومن لك بالحرّ الذي يحفظ اليدا

والعفو: هو محو أثر الخطيئة كأن لم يكن.

ب- (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ): يسأل الله أن يغفر لهم، لأنّ ذلك من شأنه أن يطهّر القلب فلا تنعكس آثار السّيئة على الجوارح، وذلك أغلى ما يقدّمه المسلم لأخيه المسلم سيما عن ظهر غيب، يقول الله لرسوله: (وَصَلِّ عَلَيْهِمُ (إِنَّ صَلَوَاتِكَ سَكَنٌ لَّهُمْ) (التوبة:103).

ج- (وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَمْرِ): والمشورة والمشاورة هي الاستعانة برأي المستشارين لتقليب وجهات النّظر واتحاد النّاس على مسعى واحد، فإنّ الجماعة أبعد عن الخطأ في أغلب الأحوال، بينما الخطر كل الخطر على مصالح الأمة في الاستبداد بالرّأي الواحد وإن كان صوابا لأن المشورة توزيع لمسؤولية التّنفيذ حيث تزلّ الأقدام وتطيش الأحلام، والشّورى ممّا جُبِل عليه الإنسان في فطرته السّليمة لطلبه النّجاح في مسعاه، وهي معروفة في أطوار التّاريخ.

وقد استعرض القرآن الكريم نماذج من تلك الشّورى حتّى من بعض الملوك المستبدّين كفرعون وبلقيس إذ قال الأول لحاشيته: (يُرِيدُ أَنْ يُّخْرِجَكُم مِّنَ اَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَامُرُونَ) (الشعراء:35). وقالت الثّانية: (يَآ أَيُّهَا الْمَلَؤُاْ اَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً اَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) (النمل:32). وكم لرسول الله من مواقف استشار فيها أصحابه، إن في غزوة أحد أو في بدر والأحزاب والحديبية … إلخ.

(1) 1 - رواه الترمذي من حديث عائشة، كتاب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث 3513، وقال: هذا حديث حسن صحيح، 5/ 534.

٨٣٠ / ٦٬٢٠١