نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02

الجزء ٣ · صفحة ٣٥

وللمنّ في التّعبير القرآني معان مختلفة، ومنها الإنعام والإحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه، والمنّان من صفات الله العلية، وصدّرت الجملة باللاّم المشعرة بالقسم في استئناف بيانيّ للانتقال من وصف المنافقين والكفار لرسول الله بالخيانة والغلول -وحاشاه أن يفعل ذلك- إلى تذكير رجال "أحد" ومن خلالهم تذكير المؤمنين بصفة عامّة بنعمة الله عليهم والمتمثلة في البيان الإلهي لحقيقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان قيمتها في الوجود البشريّ بصفة عامّة، وفي المجتمع الإيماني بصفة خاصّة.

والمقصود بـ"الْمُومِنِينَ" هم أولئك الذين كانوا مع النّبي أوّلا وبالذات، وهم قومه من العرب بقرينة السّياق في قوله تعالى: (مِّنَ اَنفُسِهِمْ)، أي من صميم مجتمعهم في النّسب والمجد، كما تدلّ على هذا التّخصيص آيات أخرى من القرآن كقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُ (ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (الجمعة:2). وقوله: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُ (ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمُ (إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة:129).

ولتعظيم شأن الإيمان جاء التّعبير هنا بقوله تعالى: (مِّنَ اَنفُسِهِمْ)، بينما جاء بـ (مِنْهُمْ) في آيات أخرى للدّلالة على قوة العلاقة بين الرّسول والمؤمنين، وأنها علاقة ربّانية هي فوق علاقة النّسب والدّم، ولذلك إيحاءاته العميقة وأثره البالغ لتسليتهم على ما أصابهم من الهزيمة، إذ لا أروح على نفس المحزون من تذكيره بما هو فيه من النّعم حتى تجلو الصّدمة عنه، وقد وصف الله رسوله بأوصاف أخرى أكّد بها تلك المنة فقال جلّ من قائل:

٨٣٨ / ٦٬٢٠١