نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٨٨

وفي المقارنة والتنظير وفق مألوف الناس أيضا قال تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (غافر:57)، وقال: (ءَآنتُمُ، أَشَدُّ خَلْقًا اَمِ السَّمَآءُ، بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) (النازعات: 27 - 28).

وهذه الآية الكريمة مسوقة للذين ينكرون على الله أن يضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها، وقد روَّج اليهود والمنافقون مثل هذه الدِّعاية لخلخلة الجماعة المسلمة، حين أحسُّوا بنمائها وتماسكها، فقد عدَّ الله هؤلاء المنكرين في عداد الكفار، وندَّد عليهم بالاستفهام التوبيخي، متعجِّبا من غفلتهم عن قدرة الله كيف أوجدهم من العدم، فإذا هم أحياء يرزقون، وكيف قدَّر آجالهم في الحياة الأولى، ثم يرجعون إلى الموت ثانية ليقوموا بعده إلى حياة أسمى وأبقى.

وإذا دقَّقنا النظر في أدوات العطف المستعملة في هذه المراحل بين الموتتين والحياتين وجدنا العطف بـ"الفاء" و"ثم"، وكلاهما للترتيب، وقد جاءت المراحل المذكورة في الآية الكريمة مرتَّبة ترتيبا طبيعيا حسبما هو معروف لدى الإنسان، ولكن لِمَ جاء العطف بـ"الفاء" بين الموت الأولى والحياة الأولى - وهي تفيد التعقيب - بينما كان العطف بـ"ثم" التي هي للتّراخي في المراحل الباقية؟.

حاولت أن أجد في كتب التفسير تعليقا على ذلك أو بيانا فلم أجد ما يشفي الغليل، إلا ما أورده الإمام الفخر الرَّازي في التفسير الكبير إذ قال: " فإن قيل لِمَ كان العطف بـ"الفاء" والبواقي بـ"ثم"، قلنا لأن الإحياء الأوَّل قد يعقب الموت بغير تراخ، وأمَّا الموت فقد تراخى عن الإحياء، والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النُّشور تراخيا ظاهرا." انتهى(1)

(1) - الفخر الرازي، التفسير الكبير.

٨٨ / ٦٬٢٠١