نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٨٧الكفر في مصطلح القرآن هو الإشراك بالله في العبادة وجحود نعمته، وهو مشتقّ من مادة "الكَفر" أي الحجب والتغطية، وضده الشكر. والكفر بالله من طرف الإنسان أمر فظيع يتناقض مع الفطرة السليمة، ويشذّ عن روح الوجود الذي يدين لعظمة الله ويسبِّح بحمده، ومن ثمَّ واجه الرَّسول هذه الوضعية الشَّاذة بأسلوب الحوار والإقناع، ولفت الأنظار إلى واقع حياة النَّاس ومختلف مراحلها من مبدأ الخليقة إلى منتهاها، والقرآن وهو يواجه النَّاس بالحقائق الكونية لا يخرج عن إطاره الإرشادي، وهو يتناول تلك الحقائق العلمية، إذ يبسِّطها ويشير إلى دلالاتها الواقعية كما يعيشها النَّاس وكما يدركون من ظواهرها، وينطلق في بيان المغيَّبات من عالم الشَّهادة يمثل ويقارن ما هو مغيَّب بما هو محسوس ثم يستخلص النتائج التي لا مفرّ من الإقرار بها من كلِّ ذي عقل سليم.
ففي مجال الحياة الأولى والثانية بالنسبة للبشر يذكر الله حياتين وموتتين، غير أنَّ المتيقن به لدى الإنسان هو حياة واحدة وموت واحدة، فما وجه اقترانهما بموت وحياة لا يؤمن بهما كثير من النَّاس؟. ذلك لأن الموضوع هنا هو إجلاء قدرة الله تعالى في الخلق والإيجاد، فعندما يستدرج المنكر للبعث -وهو أمر غيبي- إلى الاعتراف والإقرار بما لا يستطيع أن يماري فيه من كيفية خلقه الأول -من عالم الشهادة- فهو لا محالة يعترف في نهاية المطاف بأن القدرة الإلهية البادئة للخلق تستطيع أن تعيده مرَّة ثانية، وبما أنَّ البداية في إيجاد الشيء أصعب من إعادته في عرف الإنسان فإنَّ آية سورة الرُّوم جادلت الخلق بما تعارفوا عليه فقال تعالى: (وَهُوَ الذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) (الروم:27).