نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٢٢(لاَ يَحْسِبَنَّ الذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَنْ يُّحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسِبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ):
هذه تكملة لبيان أحوال أهل الكتاب في ضرب آخر من الخُلق الذّميم، عبّر عنهم بالموصول: (لاَ يَحْسِبَنَّ الذِينَ) للتنبيه إلى صلته العجيبة في رسم ذلك النّموذج البشريّ الخسيس، فزيادة على ما سبق من خيانة الأمانة في تبليغ الدّين واستبدال ذلك بثمن بخس من متاع زائل ذكر هنا أمرين آخرين يبيّنان خسّة ذلك الموقف:
أ) - (يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ): أي هم يغترّون بما حصلوا عليه من متاع الدّنيا عن طريق الضّلال والإضلال، ويرون في ذلك لأنفسهم شرفا وفضلا.
ب) - (وَيُحِبُّونَ أَنْ يُّحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ): أي يترقّبون ثناء النّاس على فعلهم، ويطلبون المحمدة بأنهم حفاظ للكتاب وهم العلماء الذين يوثق بعلمهم ويقتدى بهم. والحال أن ذلك دعوى باطلة، وقد روي أن الرّسول قد سأل اليهود عن شيء مما في التّوراة فأخبروه بخلاف ما فيها.
وتصدق هذه الآية -أيضا- على ما فعله المنافقون إذ يتخلفون عن الغزو ويختلقون المعاذير الكاذبة فيقبل منهم النبيّ ذلك، ثم هم يريدون أن يحمدهم النّاس بأن لهم نية المجاهدين، غير أن الكذب والنّفاق مهما تستّر بهما الإنسان لإخفاء حقيقة أمره فإن الحقيقة تظهر للنّاس بعد لأي، لأن حبل الكذب قصير كما يقول المثل، ويقول زهير:
ومهما يكن عند إمرئ من خليقة … وإن خالها تخفى على النّاس تُعلَم
(فَلاَ تَحْسِبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ): الجملة توكيد لما قبلها، والخطاب فيها للرّسول ولكلّ من يصلح له؛ والمفازة: هي مكان الفوز، أي لا تحسبنّهم بمنجاة من العذاب، وهو على نوعين: