نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٢١أ) - (لَتُبَيِّنُنَّهُ’ لِلنَّاسِ): والتّبيين هو الواجب الأوكد على العلماء، ولذلك ذُكِر مقدَّماً بصيغة الخطاب على وجه القراءة بذلك، وباللاّم المشعرة بالقسم لمزيد الاهتمام بالمحلوف عليه، ويكون هذا التّبيين للمؤمنين وغيرهم إرشاداً وتذكيراً للأوّلين، ودعوة إلى نوره وهداه للآخرين. وفي هذا الإخبار تذكير للمسلمين لما يجب عليهم نحو كتابهم من التّذكير والإرشاد والدّعوة، وتحذير لهم من أن يسلكوا مسلك أهل الكتاب.
ب) - (وَلاَ تَكْتُمُونَهُ): والكتمان يكون تارة بإخفاء معانيه بأن لا توضّح لمن يجهلها، وتارة يكون بفساد التّأويل أو بالتّحريف زيادة أو نقصانا.
(فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِيسَ مَا يَشْتَرُونَ): وبهذه الصّورة الحيّة من التّمثيل يشبّه الله إهمالهم للعمل بما في الكتاب بإلقاء الشّيء وراء الظّهر نبذا واحتقارا لشأنه، والعطف بالفاء هو للدّلالة على مسارعتهم إلى ذلك، واستبدلوا بذلك ثمنا قليلا من حطام الدّنيا، وهو مهما كثر وعظم حقير زائل بالنّسبة إلى ما تركوه من إظهار الدّين والوفاء بعهد الله.
وكلّ كسب خسيس من مال حرام فهو عند الله قبيح وذميم بقوله تعالى: (فَبِيسَ مَا يَشْتَرُونَ)، وينطبق هذا الحكم على كلّ من يرتكب هذا الصّنيع من المسلمين وغيرهم. يقول قطب الأئمة -رحمه الله-: "ويلتحق بهم من كتم أحكام القرآن أو فسّره بما ليس له معنى له اتّباعا لهواه من هذه الأمّة بل هو أولى بالذّم، فهو من مفهوم الأولى لأن القرآن أفضل الكتب قال صلى الله عليه وسلم:"من كتم علما على أهله ألجمه الله بلجام من نار"(1).(2)
(1) 1 - رواه الترمذي من حديث أبي هريرة، كتاب العلم، باب ما جاء في كتمان العلم بلفظ "من سئل"، حديث 2649، وقال: وفي الباب عن جابر وعبد الله بن عمرو قال أبو عيسى حديث أبي هريرة حديث حسن، 5/ 29.
(2) 2– امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير، 3/ 101 - 102