نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٤٥نجد تلازما وثيقا وتكاملا مكينا بين الوسائل التي تضمن الاستقرارين: الدّاخلي والخارجيّ، ذلك لأن الأمراض الاجتماعية التي تنخر جسم الأمة لا تقلّ خطرا على استقرارها على أعدائها المتربّصين بها، بل إن هؤلاء يسعون بكل الدّسائس والحيل إلى فتح ثغرات في الجبهة الدّاخلية للتّعرّف على نقاط ضعفها قبل التّعدي والمواجهة، فليس من العفوية أن تتعرّض السّورة إلى بيان أحوال اليهود ومحاجّتهم في مواقفهم الشّائنة من الدّعوة الإسلامية، كما تعرّضت إلى بيان أحوال المنافقين وأنماط سلوكهم وهو مندسّون في صفوف الجماعة، يشكلون فيها نقاط الضّعف والوهن ترتقي أحيانا إلى الصّدود والخيانة كما حدث ذلك في غزوة أحد.
فأما أهل الكتاب من اليهود والنّصارى فقد ركزت السّورة معهم على أسلوب الجدال الهادئ الذي يحاول تصحيح الأخطاء التي وقعوا فيها في مجالي العقيدة والشّريعة، وهم لا يريدون أن يعترفوا برسالة محمد عليه السلام اعتزازا بما عندهم، وقد كانوا من قبل في عناد وإعراض لبعض ما جاء به موسى وعيسى، إذ يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.
وأما المنافقون والكفار فإن الحديث عنهم وفي أغلب الأحيان يتسم بطابع التّشديد والقسوة، كقوله تعالى: (اِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الاَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا) (النساء:145). وقوله: (اِنَّ الذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً، اِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً) (النساء:169).
وأحيانا يلين الحديث في معالجة مشكل المنافقين، إذا لم تسمح وضعية الرّسول والجماعة المسلمة من مجابهتهم في الدّاخل، فينصح الله تعالى رسوله بقوله: (اُوْلَئِكَ الذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغا) (النساء:63).