نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٩٢قلت: إنّ ملحظ الشيخ ابن عاشور دقيق جدًّا من الناحية اللُّغوية في تقابل الألفاظ وفي النسق البياني، ولكن نحن بإزاء حقيقة وجودية تحتاج إلى التحليل العلميّ الدَّقيق، والقرآن العظيم كلام الخالق العليم، يتناول أدقّ الحقائق بأسلوب مبسَّط ولكنه يتَّسع لكل المفاهيم التي تتطوَّر هي الأخرى على حسب معارف الإنسان واتّساعها، وهاهو الدكتور مصطفى محمود يتناقل هذه الحقيقة الوجودية بالتحليل العلميّ فيكشف هذا المعنى -معنى خلق الموت- في كتابه الشَّيِّق (لغز الموت) فيقول: "ما الموت وما حقيقته؟، ولماذا يسقط من حسابنا دائما حتى حينما نواجهه؟، لأنّ الموت في حقيقته حياة، ولأنه لا يحتوي على مفاجأة، ولأن الموت يحدث في داخلنا في كلِّ لحظة حتى ونحن أحياء، كل نقطة لعاب، وكل دمعة، وكل قطرة عرق، فيها خلايا ميّتة، نشيِّعها إلى الخارج بدون احتفال، ملايين الكرات الحمر تولد وتعيش وتموت في دمنا دون أن ندري عنها شيئا، ومثلها الكرات البيض، وخلايا الَّلحم والدهن والكبد والأمعاء، كلها خلايا قصيرة العمر تولد وتموت ويولد غيرها ويموت، وتدفن جثتها في الغدد أو تطرد في الإفرازات في هدوء وصمت، دون أن نحسَّ شيئا مَّا قد حدث، مع كلِّ شهيق وزفير يدخل "الأكسجين" مثل "البوتاقاز" إلى فرن الكبد فيحرق كمية من اللحم ويولد حرارة تطهى لنا لحما آخر جديدا نضيفه إلى أكتافنا، هذه الحرارة هي الحياة، ولكنها أيضا احتراق الموت في صميمها والهلاك من طبيعتها". انتهى(1)
فسبحان من خلق فسوَّى، ثمَّ أمات فأحيا.
(1) - مصطفى محمود، لغز الموت.