نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٦٥

الخطاب لعموم النّاس ممّن يصلح لهذا الحكم من الأولياء والأزواج والأوصياء، والآية معطوفة على قوله تعالى: (وَءَاتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ) (النساء4). وصفة السّفه تشمل كلّ من لا يحسن التّصرّف إمّا عن صغر وعدم تجربة، أو اختلال نفسّي أو عقلّي ولو كان كبير السّنّ، بل حتى للمبذّر عن فسوق وانحراف مما يتسبّب عن إفلاسه، وعلى هذا يكون المراد بالأموال المذكورة في الآية أموال المحاجير المملوكة لهم، وأضيفت إلى المخاطبين وهي في الحقيقة لأصحابها المحجور عليهم، ولا تتحقّق المنفعة بها إلا بتداولها بين أيدي أفراد الأمة بالتّعامل الشّرعيّ، حتى يكون الجميع حريصا عليها بحفظها وإنمائها. ويزيد هذا المعنى وضوحا تلك الصّفة التي أجراها على الأموال بأن جعلها لنا قيَما، أي ما يتقوّم به معاشنا، كما تؤكد ذلك الحكمة القائلة: "المال قوام الأعمال". وهذه الصّفة للأموال تقع موقع التّعليل للنّهي.

وفي قوله تعالى: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً) أمر الله بثلاثة أشياء:

أ) - (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا): والرّزق من العبد هو كما قال الإمام الرّازي: "الإجراء الموظف لوقت معلوم، يقال: فلان رزق عياله أي أجرى عليهم"، والتّعبير بالرّزق دون الإنفاق ليتناول كل الضّرورات التي يتطلّبها الكائن البشريّ لتستقيم حياته وفق متطلبات وضعه المعيشي.

ب) - (وَاكْسُوهُمْ): خصّت الكسوة بالذّكر -وهي داخلة في الرّزق- للتّنبيه إلى ضرورتها كالإطعام وغيره، وجيء بحرف "فِيهَا" دون "منها"، و"في" تفيد معنى المكان، كما أثبت ذلك الإمام الزمخشري في الكشاف إذ قال: "اجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتربحوا، حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق".(1)

(1) 1 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 3/ 384.

٩٢٨ / ٦٬٢٠١