نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٩٤

وفي المصطلحات التي ترد عند ذكر بعض شؤون الغيب، سواء ما يتصل منها بصفات الله وأفعاله لا نغرق في ضروب من التأويل التي تبعد النص عن مدلوله اللّغوي تفاديا من الوقوع في التجسيد، كما لا نعطيه المدلول اللغوي حسب استعمالاتنا المألوفة حتى لا نقع في التشبيه والمماثلة -تعالى الله عن ذلك- بل هناك الطريق الوسط الذي يخرجنا من الحرج بتطبيق الأساليب البيانية من ضروب المجاز والكناية، ثم نفوّض الأمر إلى الله الذي يعلم تأويله، ومثل تلك المصطلحات في هذه الآية قوله تعالى: (فَسَوَّايهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)، وقد أفاض المفسِّرون في بيان معنى الاستواء ونجتزئ فيه بما أوثر قوله عن الإمام مالك -رحمه الله-: "الاستواء معلوم والكيف مجهول".

ويقول سيد قطب -رحمه الله-: "ولا مجال للخوض في معنى الاستواء إلا بأنه رمز للسيطرة، والقصد بإرادة الخلق والتكوين، كذلك لا مجال للخوض في معنى السماوات السّبع المقصودة هنا وتحديد أشكالها وأبعادها اكتفاءً بالقصد الكلّي من هذا النّصّ، وهو التّسوية للكون، أرضه وسمائه في معرض استنكار كفر النّاس بالخالق المهيمن المسيطر على الكون.

(وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ): فإنّ الخالق المدبّر لشؤون ما خلق بذلك التّنسيق البديع والتّنظيم المحكم، لا يمكن إلاّ أن يكون علمه شاملاً محيطاً بكلّ شيء لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة.

ذلك هو علم الله الشامل المطلق، فما هو حظّ الإنسان من العلم والمعرفة في مجال الفضاء الكوني؟ …

ليس ثمّت في القرآن ما يدلّ على أنّ الله قطع الطّريق على هذا الإنسان، أو منعه من محاولة التّدبّر والاستكشاف- كما يراه بعض البسطاء من الناس-، بل على العكس من ذلك، نجد القرآن الكريم في كثير من آياته يحرّض المؤمنين على النّظر والتّأمّل في خلق الله لمعرفة قدرته، قال تعالى:

٩٤ / ٦٬٢٠١