نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٨٧وليت المسلمين يقدّرون لهذه الأحكام القطعية قدرها فيلتزمون حدود الله، كما تشير إليه الآية اللاحقة، ولا يرضون بذلك بديلا من أنظمة وضعية تقوم على الأهواء، وتغترّ بالشّعارات الجوفاء، لأن معايير الحق والعدل لا تتحقق إلا في شرع الله وأحكامه. قال تعالى: (وَلَوِ اِتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ وَمَن فِيهِن) (المؤمنون:71)، والله أعلم.
التزام حدود الله يكون بطاعة الله ورسوله
أ) - النّص:
/
/
/
ب) - التّحقيق اللّغوي:
(حُدُودُ): جمع حدّ: وهو لغة ظرف المكان الذي يميّز عن مكان آخر بحيث يمنع تجاوزه، وشرعا: هي شرائع الله وأحكامه التي حدّدها لعباده حتى لا يتعدوها، وقد تطلق على المحارم التي منعها الله، وقد سمّيت العقوبات المترتبة على بعض الكبائر حدودا. (وَلَهُ’ عَذَابٌ مُّهِينٌ): مهِين: أي ذو إهانة وذلّ، وهو أشدّ إيلاما من عذاب النّار، والعرب يأنفون من الذّلّ والإهانة حتى قالوا في أمثالهم في مقامات الحريرّي:
فالنّار ولا العار وخير … من ركوب الخنا ركوب الجنازة.
ج) - حول مبنى النّص وأوجه القراءة:
يلاحظ الجمع في الخلود بالجنات: (خَالِدِينَ فِيهَا) بينما هو على صيغة المفرد في الخلود بالنّار: (خَالِداً فِيهَا)، وفي نكتة ذلك يقول صاحب المنار: "وقد اختار الأستاذ -أي الشّيخ محمد عبده- اختار في نكتة ذلك أن في ذكر أهل الجنة بلفظ الجمع إشارة إلى تمتعهم بالاجتماع وأنس بعضهم ببعض، والمتنعّم يسرّه أن يكون مع غيره قال المعرّي الحكيم:
أ) - ولو أني حبيت الخلد وحدي لما أحببت بالخلد انفرادا
وأما من قذفه عصيانه لله ولرسوله في النّار فإن له من العذاب ما يمنعه عن الأنس بغيره فهو وحيد لا يجد لذة في الاجتماع بغيره ولا أنسا".(1)
(1) 1 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار: 4/ 431.