نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٩٨أ) - أن يكون السّوء المرتكب عن جهالة: أي باندفاع وطغيان شهوة أي ولو كان عالما بأن ما ارتكبه سوء ومعصية، وقد نقل قطب الأئمة في تفسيره لهذه الجملة نقل قول قتادة أنه قال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عُصي الله به فهو جهالة ولو مع علم، وإن كان من عصي الله فهو جاهل ولو عالما. قال الله عز وجلّ: (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) (يوسف:33). وقال: (اِنِّيَ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (هود:46) ".(1)
قلت: وتوجيه ذلك عند المحققين أنّ العاصي لربّه لا يقدّر في تلك اللّحظات التي عصى فيها ربّه، لا يقدّر فداحة ما ارتكبه، ولا يقدّر ما ينجرّ عن ذلك من عقاب، إذ يصبح أسير شهوته في تلك اللّحظات، ولعل حديث رسول الله يصبّ في هذا المعنى حين قال: "لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن".(2)
ب) - والقيد الثّاني: أن تجيء التّوبة في وقت قريب من وقت عمل السّوء.
وقد اختلف العلماء من السّلف في إعمال مفهوم القيدين: "بجهالة"، و"من قريب"، والأكثر على أن القيد الأول: (لِلذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) أنّ المراد به هو عمل السّوء مع الإيمان لقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُّشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ) (النساء:48). وتأوّل بعضهم معنى قوله: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ): بأنه ما قبل الاحتضار عملا بحديث: "إن الله يقبل التّوبة عن عبده ما لم يغرغر"(3)
(1) 1 - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير، 3/ 169.
(2) 2 - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب الإيمان، باب نقصان الإيمان بالمعاصي، حديث 57، 1/ 76.
(3) 3 - رواه الترمذي من حديث ابن عمر، كتاب الدعوات، باب في فضل التوبة والاستغفار، حديث 3537، 5/ 547، وقال: حديث حسن غريب. ورواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. 4/ 286.