التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة يونس

الجزء يونس · صفحة ٠
[سورة يونس — آية 24]

﴿فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ﴾ يُفسدون فِيهَا ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي : بالباطل. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ أي: ظلمكم يرجع عليكم . ﴿مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بغيكم كمتاع الحياة الدَّنيَا ، ويضمحلُّ ويبقى وبالُه عليكم ، ﴿ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فنجزيكم بِهِ ، ونجازيكُم عليه ، وقد ضرب الله تعالى للدنيا مثلا ، لأَنَّ الأشياء يظهرُ سرُّها وحقيقتها بالمثل ، فقال:

﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ حالها العجيبة في سرعة نُقصٍِها ، وذهاب نعمتها بعد إقبالها ، وإعتزاز البأس بها ، وذلك مَثلُّ لجميع مَا خوله العبد مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ سريع الذهاب ، لأَنَّهُ إذا بقيَ لك لم يبق لَهُ ، ﴿كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾ أي: فاشتبك بسببه حتَّى خالط بعضه بعض ،﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ مٍِنَ الحبوب والثمار والبقول ، ﴿وَالأَنْعَامُ﴾ يعني: الحشيش. ﴿حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ أظهرت زينتها بالنباتات ، واختلاف ألونه ، ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ وتزيَّنت بهِ وأظهرت حسنها عند إقبالها ، وأخفت عواقبها عَن أبنائها ، ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾ الطامحون إِلَيْها ﴿أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ﴾ كأنَّهم ظافرون بها ، ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ عذابنا ، وَهُوَ ضرب زرعها ببعض العاهات ، بعد أمنهم واستيقانهم أنَّه قد سَلِمَ ، وأنَّه واصل إِلَيْهِم ومنتَفَعٌ بِهِ ﴿لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا﴾ فجعلنا زرعها ﴿حصيدا﴾ شبيها بِمَا يُجَذٌ مٍِنَ الزرع ، وفطعه واستئصاله ، ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ يعني : صارت كأن لم تكن ، وَمَا حصلوا منها إِلاَّ الجزاء .﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فينتفعون بضرب الأمثال ، وَهَذَا مٍِنَ التسلية ، شبَّه حال الدنُّيَا فيِ سرعةِ نقصها ، وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأَرْض في جفافه وذهابه حطاما ، بعدما الْتَفَّ وتكاثف وزيَّن الأَرْض بِخُضرته ، وَلَمَّا وصف الدُّنْيَا ، وقلَّة انتفاعها ، وسرعة ذهابها ، وكثرة آفاتها ، رغَّب فيِ عمل الآخِرَة فقال:

﴿وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ﴾ عَن الفناء والذهاب ، يعني: الجنَّة ، وَقِيلَ: السلام هُوَ الله تعالى ، وداره: الجنّة ، يدعو عباده إِلَى جنَّته ببعث الرسل ، ونصبِ الأدلَّة ، وقيل ، سُميَت الجنَّة دار السلام لأَنَّ من دخلها سَلِمَ مِنَ الآفات ، ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .

١٬٣٨٨ / ٦٬٢٣٦