إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِینَ١١٩
الرسم الإملائيّ
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
الجزء ١٢الربع ٩٤ صفحة ٢٣٥
تفسيرها
﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ إلا ناسا عصمهم الله عن الاختلاف في الدين ، فاتفقوا على دين الحق ولم يختلفوا فيه ، ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي: ولما هم عليه من الاختلاف ، وقيل: للذين خلقهم ، وقيل: محصول الاية: أهل الباطل مختلفون ، وأهل الحق متفقون ، فخلق أهل الحق للاتفاق ، وأهل الباطل للاختلاف .﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وهي قوله للملائكة:﴿ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ لعلمه بكثرة من يختار الباطل(لعله) منهما.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥٩٢
قوله : ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أي : على الإِيمان . مثل قوله : ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ﴾ [ يونس : 99 ] ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ﴾ والمختلفون هم الكفار ، وهم في اختلاف [ على أديان شتى ] في تفسير مجاهد وغيره ، مثل قوله : ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ ﴾ [ سورة ق : 5 ] أي : ملتبس . وعامة الناس كفار .
وقوله : ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ﴾ والمختلفون هم الكفار ، وهم المؤمنون ، لا يختلفون في البعث كما اختلف الكفّار ، وهم في شك منه ، وذلك منهم اختلاف ، وهم منه في لَبس . فأهل رحمة الله أهل جماعة وإن تفرّقت ديارهم ، وأهل معصية الله أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم . والآية محتملة لاختلاف الكفار في البعث وشكهم فيه ، واختلاف من اختلف من أهل القبلة مما شرعوا من الأديان ما لم يأذن به الله ، وادعائهم على الله في ذلك الكذب ، وبقولهم في ذلك على الله ما لا يعملون .
قوله : ﴿ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ قال الحسن : للاختلاف ، وتلا هذه الآية : ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ العَظِيمِ الَّذَي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ [ النبإ : 1-3 ] . ولا اختلاف اليوم أعظم وبالاً ولا أشد فرقة ولا ادعاء على الله من مختلفي أهل القبلة فيما شرعوا من أديانهم . وتَقَوَّلُوا على الله من أباطيلهم . قال : ولذلك خلق أهل الرحمة لا يختلفون .
قوله : ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾ أي : وسبقت كلمة ربك ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ أي : من كلا الفريقين : الجن والإِنس ، يعني الكفار أهل النار . كقوله : ﴿ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ الأعراف : 18 ] أي : من كلا الفريقين ممن عصى الله وارتكب الكبائر .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥٩٢
﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ﴾ فلا يختلفون عن الحق بل يتفقون عليه ، والاستثناءُ متصل إِذا اُريد بمختلفين أَن بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل ، فإن أَهل الحق لا يختلفون ولو اختلفوا فى الفروع ، ومنقطع إِذا أُريد الاختلاف فى العقائِد ، كذا قيل ، والمستثنى منه ولا يزالون أَو المستتر فى مختلفين ﴿ وَلِذَلِكَ ﴾ الإِشارة إِلى الاختلاف أَو له وللرحمة بتأْويل ما ذكر ، وقيل الإِشارة إلى كون الناس شقيا وسعيدا ، وقيل لجمع لجمع الناس مشهود ، وقيل لشهود ذلك اليوم أَو حضوره وقيل للجنة والنار وقيل للعبادة بتأْويل ما ذكر والهاءُ فى قوله ﴿ خَلَقَهُمْ ﴾ للناس أَو الإِشارة للرحمة بتأْويل ما ذكر والهاءُ لمن واللام للعاقبة ، إِذ لو خلقهم لأَجل الاختلاف لم يعذبهم عليه إِذا أَطاعوه به ، ويكون مخالفا لقوله تعالى : ﴿ وما خلقت الجن والإِنس إِلا ليعبدون ﴾ بل باعتبار أَن أَفعاله لا تعلل بالأَغراض ، تكون للعاقبة فى حق الله مطلقا ، ولو جعلنا الضمير للاختلاف والرحمة معاُ لأَنهما معا عاقبة ، ولو خلقهم لأَجل أَن يختلفوا لم يعاقبهم على الاختلاف ، قال عطاءٌ عن ابن عباس فى معنى الآية : إِن الله خلق أَهل الرحمة للرحمة وأَهل الاختلاف للاختلاف وخلق الجنة وخلق لها أَهلا وخلق النار وخلق لها أَهلا قال الزجاج : ويدل لهذا قوله عز وجل ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ أى من كفار الجن وكفار الإِنس ، وليس يبقى أَحد من كفارهم بلا دخول ، أَو المراد أَنها تعمر من الثقلين لا من غيرهم للتعذيل ، فذلك عموم للأَنواع لا عموم للأَفراد ، والمراد أَنها لا تملأْ من الإِنس فقط ولا من الجن فقط بل منهما جميعا ، وهذا معنى قوله : أَجمعين ، بعضهم من الجنة وبعضهم من الناس ، ولا يخفى ولو على العوام ، أَن هذه ليس معناها أَن الجنة كلهم فيها وأَن الناس كلهم فيها ، ومن للابتداءِ ، والابتداءُ من الشىءِ لا يدل على استفراغه ، تقول لأََملأَن الجراب من هذا البر ومن هذا الشعير فتملأُ ويبقى قليل أَو كثير ، وتأكيد التثنية باَجميعن جائِز على حد رد ضمير الجمع إِليها وإِشارته ولا سيما أَن كل طريق منها هنا متضمن لأَنواع وأَفراد وهما فريق الجنة وفريق الناس ، وقيل المراد بالجنة والناس الكفار باعتبار العهد كقوله تعالى : لأَملأَن جهنم منك وممن تبعك منهم أَجمعين ، على أَن لا يلزم من الابتداءِ من الشىءِ البقاءُ منه ولا إِشكال على هذا القول فى التأكيد بأَجمعين ، وكلمة ربك قضاؤه بالوعيد والخذلان أَو قوله للملائِكة سوقوهم إِلى النار ، فلأَملأَن تفسير للكلمة ، إن شئْت فقل محكى بكلمة وليس فى قوله تعالى : ﴿ ولو شاءَ ربك لجعل الناس أُمة واحدة ﴾ ما يدل على العموم فلا يخالف قوله عز وجل : وما كان الناس إِلا أُمة واحدة . كذا قيل وفيه أَنه لا يخفى العموم ، وإِنما الجواب أَنهم كانوا أُمة واحدة ثم اختلفوا ولا يزالون مختلفين ، أَو إِلا من رحم ربك فجعلهم أُمة واحدة على الإِيمان .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥٩٢