سورة هود
الجزء هود · صفحة ٠﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ﴾ فلا يختلفون عن الحق بل يتفقون عليه ، والاستثناءُ متصل إِذا اُريد بمختلفين أَن بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل ، فإن أَهل الحق لا يختلفون ولو اختلفوا فى الفروع ، ومنقطع إِذا أُريد الاختلاف فى العقائِد ، كذا قيل ، والمستثنى منه ولا يزالون أَو المستتر فى مختلفين ﴿ وَلِذَلِكَ ﴾ الإِشارة إِلى الاختلاف أَو له وللرحمة بتأْويل ما ذكر ، وقيل الإِشارة إلى كون الناس شقيا وسعيدا ، وقيل لجمع لجمع الناس مشهود ، وقيل لشهود ذلك اليوم أَو حضوره وقيل للجنة والنار وقيل للعبادة بتأْويل ما ذكر والهاءُ فى قوله ﴿ خَلَقَهُمْ ﴾ للناس أَو الإِشارة للرحمة بتأْويل ما ذكر والهاءُ لمن واللام للعاقبة ، إِذ لو خلقهم لأَجل الاختلاف لم يعذبهم عليه إِذا أَطاعوه به ، ويكون مخالفا لقوله تعالى : ﴿ وما خلقت الجن والإِنس إِلا ليعبدون ﴾ بل باعتبار أَن أَفعاله لا تعلل بالأَغراض ، تكون للعاقبة فى حق الله مطلقا ، ولو جعلنا الضمير للاختلاف والرحمة معاُ لأَنهما معا عاقبة ، ولو خلقهم لأَجل أَن يختلفوا لم يعاقبهم على الاختلاف ، قال عطاءٌ عن ابن عباس فى معنى الآية : إِن الله خلق أَهل الرحمة للرحمة وأَهل الاختلاف للاختلاف وخلق الجنة وخلق لها أَهلا وخلق النار وخلق لها أَهلا قال الزجاج : ويدل لهذا قوله عز وجل ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ أى من كفار الجن وكفار الإِنس ، وليس يبقى أَحد من كفارهم بلا دخول ، أَو المراد أَنها تعمر من الثقلين لا من غيرهم للتعذيل ، فذلك عموم للأَنواع لا عموم للأَفراد ، والمراد أَنها لا تملأْ من الإِنس فقط ولا من الجن فقط بل منهما جميعا ، وهذا معنى قوله : أَجمعين ، بعضهم من الجنة وبعضهم من الناس ، ولا يخفى ولو على العوام ، أَن هذه ليس معناها أَن الجنة كلهم فيها وأَن الناس كلهم فيها ، ومن للابتداءِ ، والابتداءُ من الشىءِ لا يدل على استفراغه ، تقول لأََملأَن الجراب من هذا البر ومن هذا الشعير فتملأُ ويبقى قليل أَو كثير ، وتأكيد التثنية باَجميعن جائِز على حد رد ضمير الجمع إِليها وإِشارته ولا سيما أَن كل طريق منها هنا متضمن لأَنواع وأَفراد وهما فريق الجنة وفريق الناس ، وقيل المراد بالجنة والناس الكفار باعتبار العهد كقوله تعالى : لأَملأَن جهنم منك وممن تبعك منهم أَجمعين ، على أَن لا يلزم من الابتداءِ من الشىءِ البقاءُ منه ولا إِشكال على هذا القول فى التأكيد بأَجمعين ، وكلمة ربك قضاؤه بالوعيد والخذلان أَو قوله للملائِكة سوقوهم إِلى النار ، فلأَملأَن تفسير للكلمة ، إن شئْت فقل محكى بكلمة وليس فى قوله تعالى : ﴿ ولو شاءَ ربك لجعل الناس أُمة واحدة ﴾ ما يدل على العموم فلا يخالف قوله عز وجل : وما كان الناس إِلا أُمة واحدة . كذا قيل وفيه أَنه لا يخفى العموم ، وإِنما الجواب أَنهم كانوا أُمة واحدة ثم اختلفوا ولا يزالون مختلفين ، أَو إِلا من رحم ربك فجعلهم أُمة واحدة على الإِيمان .