سورة هود · الآية ٧٨ من ١٢٣

‹ السورة السابقة
وَجَاۤءَهُۥ قَوۡمُهُۥ یُهۡرَعُونَ إِلَیۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ ٱلسَّیِّءَاتِۚ قَالَ یَٰقَوۡمِ هَٰۤؤُلَاۤءِ بَنَاتِی هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِی ضَیۡفِیۤۖ أَلَیۡسَ مِنكُمۡ رَجُلࣱ رَّشِیدࣱ٧٨
الرسم الإملائيّ

وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ

الجزء ١٢الربع ٩٢ صفحة ٢٣٠

تفسيرها

[سورة هود — آية 78]

﴿وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ لما أتوه وراى هيأتهم وجمالهم ، ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أحزن ، لأنه حسب أنهم إنس ، فخاف عليهم خبث قومه ، وأن يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم ، ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تمييز ، أي: وضاق بمكانهم صدره ، وهو كناية عن شدة نفتاالاض للعجز عن مدافعة المكروه ، والاحتيال فيه ، (لعله) كأن يده صارت قصييرة ، ﴿وَقَالَ : هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ شديد.

﴿ وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يسرعون ، كأنما يدفعون دفعا لطلب الفاحشة من أضيافه ، ﴿وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ ومن قبل ذلك (لعله) الوقت ، كانوا يعملون الفواحش ، حتى مرنوا عليها ، وقل عندهم استقباحها ، فلذلك جاءوا يهرعون مجاهرين لا يكفهم حياء (لعله) فلما علم مرادهم فيهم ، ﴿قَالَ : يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي﴾ فتزوجوهن ، أراد أن يقي أضيافه ببناته ، وذلك غاية الكرم ، ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أحل وازكى لنفوسكم ، لغلمة الشهوات ، (لعله) ليدفعهم بمثل ما هم فاعلوه ، ﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ﴾ بإيثار ما أحله على ما حرمه ، ﴿وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ولا تهينوني ، ولا تفضحون ، ﴿فِي ضَيْفِي، أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾؟ أي: رجل يهتدي إلى سبيل الحق وفعل الجميل ، والكف عن السيء.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥٥١

[سورة هود — آية 78]

قال : ﴿ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي : يسرعون إليه . ذكروا أن مجاهداً قال : الإِهراع الإِسراع في المشي .

قال الحسن : يبتدرونه أي : يبتدرون أضيافه للفاحشة .

قال : ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ أي : يأتون الرجال في أدبارهم . وكان لا يفعل ذلك بعضهم ببعض ، إنما كانوا يفعلون ذلك بالغرباء .

﴿ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ أي : هن أحل لكم من الرجال . قال الحسن : فتزوجوهن . ولم يكن حرم يومئذٍ المسلمات على المشركين قال : وكان ذلك في صدر الإِسلام حتى نزلت : ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ . . . وَلاَ تُنكِحُواْ المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ﴾ [ البقرة : 221 ] وقال بعضهم : أمرهم أن يتزوجوا النساء .

وفي تفسير الكلبي قال : ﴿ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ أي : من الرجال . أي : هن أحل لكم فتزوجوهن ، وقد كان لوط قبل ذلك يأبى أن ينكح في قومه ، فلما راودوه عن ضيفه طابت نفسه أن ينكحهن . قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ، أي أحلّ لكم . يقول التزويج أحلّ لكم من الفاحشة .

[ وقال مجاهد : كل نبي أبو أمته ، وإنما عنى ببناته نساء أمته ] .

قوله : ﴿ فَاتَّقُوا الله وَلاَ تُخْزُونِ ﴾ أي : ولا تفضحون ﴿ فِي ضَيْفِي ﴾ كقوله : ﴿ إِنَّ هَؤُلاَءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونَ ﴾ [ الحجر : 68 ] والأضياف ضيف ، والضيف الواحد ضيف .

قال : ﴿ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ أي : ليس منكم رجل شديد . وهو على الاستفهام ، كقوله الرجل : أما منكم رجل رشيد ، وهو يعلم أنه ليس فيهم رجل رشيد .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥٥١

[سورة هود — آية 78]

﴿ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ ﴾ وهو فى بيته مع الأَضياف لأَجل الفحش بالأَضياف ﴿ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ كأَنه أَهرعهم إِليه ، أَى جمعهم إِليه جامع بإِسراع كأَنهم قهرهم على الإِسراع قاهر ، وذلك كناية عن شدة إِسراعهم باختيارهم كما أَن ضاق بهم ذرعا كناية عن شدة الانقباض للعجز عن دفعهم عن أَضيافه ، وقيل أَهرعهم كبيرهم وساقهم أَو الطمع أَو أَهرع بعض بعضا ، ويقال أَيضا اللفظ للمفعول ولا يوجد له فعل مبنى للفاعل ، والمعنى البناءُ للفاعل أَى مسرعين كأُولع وزكم وغنى به وزهى عمرو ، وقيل فى يهرعون إِنه الارتعاد ضرورة من خوف أَو برد أَو علة ، كما يقال أُرعد بالبناءِ للمفعول فى ذلك ، وأَول بعضهم ذلك بأَولعه طبعه وأَرعده غضبه أَو خوفه أَو نحو ذلك ، وجعله جهله أَو ماله زاهيا وأَهرعه حرصه هكذا ﴿ وَمِنْ قَبْلُ ﴾ قبل مجيئِهم لوطا أَو قبل إِرسال الله تعالى لوطا إِليهم . ﴿ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ أَى هم معتادون لأَعمال اللواط لا يستحون ولا يستخفون ، ولذلك قصدوا ضيفك ، والجمع باعتبار الأَدبار وإِلا فالمراد نوع واحد وهو إِتيان أَدبار الذكور ، ولذا ذكر فى أَكثر المواضع بالفاحشة بالإِفراد ، والسيئات إِتيان النساءِ فى الأَدبار والذكور والمكاءِ والصغير واللعب بالحمام والقمر والاستهزاءُ بالناس ، روى لما أَتاه الملائِكة الذين كانوا عند إِبراهيم على جمال فائِق فى الأَرض التى يعمل فيها أَو فى احتطابه استضافوه فمشى بهم ساعة فقال لهم أَما بلغكم أَمر هذه القرية ، قالوا وما أَمرها؟ قال أَشهد بالله أَنها لشر قرية فى الأَرض عملا ، قال ذلك أَربع مرات ، ومروا معه حتى دخلوا منزله وقد قال الله للملائِكة لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أَربع شهادات ، وقيل مروا معه من أَرضه أَو احتطابه على جماعة من قومه فتغامزوا ، فقال لوط عليه السلام : إِن قومى شر خلق الله . فقال جبريل : هذه واحدة ، ثم مروا على أُخرى كذلك إلى أَربع يقول ذلك فى كل ، فقال جبريل للملائِكة : اشهدوا وقيل خرجت امرأَته من البيت بعد إِذ دخلوه ، فأَخبرت قومها أَن فيه من لم يروا مثله جمالا ولم يعلموا . ويجمع بأَنها أَعلمت من لم يعلم بهم أَو لم تعلم أَنهم علموا ﴿ قَالَ ﴾ لوط من وراءِ الباب ﴿ يَا قَوْمِ هَؤُلاَءِ ﴾ الإِناث مشيرا إِلى بناته من صلبه ومن توالد من أَولاده إِن كان ذلك ﴿ بَنَاتِى ﴾ فتزوجوهن لست أَبحل عنكم بهن ، وإِنما مرادى منع ما منع الله ولم يحرم يومئَذ تزويج مشرك بمؤْمنة كما زوج صلى الله عليه وسلم بنتيه بابنى أَبى لهب وهما مشركان : عتبة وعتيبة وبنته زينب من ابن أَبى العاص مشركا ثم حرم الله ذلك : ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ﴾ إِلا أَن عتبة لهم يدخل برقية لنهى أَبيه له حين نزل :

﴿ تبت يدا أَبى لهب ﴾ فارقها وتزوجها الإِمام عثمان بن عفان ، ودخل أَبو العاص بزينب وأُسر يوم بدر وفادى نفسه ، وأَخذ النبى صلى الله عليه وسلم العهد أَن يرسلها إلى المدينة إِذا عاد ، وأَرسل صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأَنصار ليأْتيا بها فجاءَا بها ثم إِنه أَسلم وأَتى المدينة فردها صلى الله عليه وسلم بنكاح جديد أَو بدونه على الخلاف ، ويقال : كانوا يطلبونه قبل ذلك أَن يزوجهم بهن ، فيأْبى لخبثهم ولما اشتد الأَمر فدى بهن أَضيافه يرى تزويجه إِياهم بهن سهلا ولو كانوا مشركين غير أَكفَاءَ ، ولا يصح ما قيل إِن تزويجه بناته المسلمات بهم حرام لشركهم ، ولكن تعرض لهم بهن مبالغة فى تحريم اللواط ولشدة كراهته اللواط حتى أَباح ذلك ، حاشا نبى الله أَن يعترض بما لا يجوز ، وقيل عرض عليهم بناته بشرط أَن يسلموا ويقال بناته نساءُ قومه لأَن كل نبى أَبو أُمته بالشفقة والرحمة والتعليم ، وهذا أَولى لأَن بناته أَقل ممن يعمل اللواط لا يكفينهم ، وقد قيل له بنتان قط زعوراءُ وزيتاءُ عبر عنهما بالجمع لكن ظاهر الآية ما فوق الاثنتين ولا حجة على أَنهما اثنتان فقط ، وعن ابن عباس هن ثلاث وأَقرب ما يقال أَن عددهن بقدر اللواطين وهم ، وإِنما هلك أَهل البلاد كلهم لرضاهم أَو إِعانتهم أَو لعدم النهى وأَما استبعاد تزويجه بهن للأَراذل فلا يتم لأَنه يفدى الأَضياف بتزويجهن ، وبعض الشر أَهون من بعض ، وقد قرأَ أُبى : وأَزواجه أُمهاتهم . وهو أَب لهم أَى بالشفقة والرحمة لا بالنسب كما قال ما كان محمد أَبا أَحد من رجالكم . وقرأَ ابن مسعود أَيضا : وهو أُب لهم بعد قوله أَنفسهم ، ويبحث بأَن المراد أَب للمؤمنين والمؤمنات ، وكيف يكون لوطا أَبا للكافرات والكافرين ، فإِنه بعيد ولو بالشفقة والتعليم والرحمة والإِضافة مجاز على أَن المراد نساءُ أُمته ، أَو بنات استعارة ولا يقال عرض نساء أُمته عليهم قليل الجدوى لتمكنهم منهن لأَنا نقول عرضهن عليهم على طريق التذكير والنصح كما قال ﴿ هُنَّ أَطْهرُ لَكُمْ ﴾ أَنظف حالا من الأَدبار على فرض أَن فى الأَدبار طهرا أَو هن طاهرات والأَدبار خسيسة ، على خروج اسم التضيل عن بابه ، أَو أَراد النظافة بحسب العقل وقلة استفحاش الطبع ، ولا شك أَن إِتيان النساءِ فى القبل أَزيد فى الطهارة بهذا المعنى بالنسبة إِلى اللواط كما تقول : الميتة أَطيب من المغصوب وأَحل منه بحسب بادى العقل ولو كان لا حل ولا طيب فى الشرع للمغضوب والميتة ، والفحش فى اللواط أَشد ، هؤلاءِ بناتى مبتدأٌ وخبر وهن أَطهر مبتدأٌ وخبر مستأْنف أَو خبر ثان أَو حال أَو بناتِى بدل أَو بيان وجملة هن أَطهر خبر أَو هن فصل وأَطهر خبر هؤلاءِ ﴿ فَاتَّقُوْا اللهَ ﴾ بترك السيئات أَى اللواط ، وباختيار تزوج النساءِ أَو بترك الشرك وهو أَعظم المقام لتحريمهم اللواط .

﴿ وَلاَ تُخْزُونِ ﴾ ولا تفضحونى بعد كونى مستورا بعدم هذا اللواط الذى قصدتم الآن فأُذل بالفضيحة أَو لا تخجلونى من الخزاية بمعنى الحياءِ أَو تفعلوا ما أَستحى منه ﴿ فِى ضَيْفِى ﴾ أَى فى شأْن ضيفِى أَو سبب ضيفى ، وإِخزاءُ ضيف الرجل إِخزاءٌ للرجل ، والضيف يطلق على الواحد فصاعدا لأَن أَصله مصدر . وسمع جمعه على ضيوف وأَضيافِ وضيفان ، فتحمل هذه الجموع على أَنها جموع للضيف المستعمل فى الواحد يقال خزى بالكسر يخزى بالفتح بمعنى ذل أَو استحى ، وهنا تعدى بالهمزة فإِنه مضارع أَخزاه بمعنى صيره دليلا أَو مستحييا ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ يأْتى الصواب من تحريم اللواط وتركه والنهى عنه ، والاستفهام توبيخ وتقرير وتذرع إِلى التعجب .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥٥١