سورة الرعد · الآية ١٧ من ٤٣

‹ السورة السابقة
أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَسَالَتۡ أَوۡدِیَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّیۡلُ زَبَدࣰا رَّابِیࣰاۖ وَمِمَّا یُوقِدُونَ عَلَیۡهِ فِی ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَاۤءَ حِلۡیَةٍ أَوۡ مَتَٰعࣲ زَبَدࣱ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ یَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَیَذۡهَبُ جُفَاۤءࣰۖ وَأَمَّا مَا یَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَیَمۡكُثُ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ یَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ١٧
الرسم الإملائيّ

أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ

الجزء ١٣الربع ١٠٠ صفحة ٢٥١

تفسيرها

[سورة الرعد — آية 17]

﴿ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء﴾، أي: الواحد القهار ، ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾ هو ما على وجه الماء من الرغوة ، ﴿ رَّابِيًا﴾ منتفخا مرتفعا على وجه السيل ، ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ﴾ ، أي: ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء ، ﴿ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ﴾ مبتغين حلية متحلى بها ، ﴿ أَوْ مَتَاعٍ﴾ من الحديد والنحاس والرصاص يتخذ منها الأواني وما يتمتع به ، ﴿ زَبَدٌ﴾ خبث ﴿ مِّثْلُهُ ،كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي: مثل الحق والباطل ، ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء﴾ ، وهو ما تقذفه القدر عند الغليان ، والبحر عند الطغيان ، والجفو : الرمي ، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ من الماء والحلي والأواني ، ﴿ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ فيثبت الماء في ينابيع الأرض ، وكذلك الجواهر تبقى في الأرض مدة طويلة ، ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ﴾ ليظهر الحق من الباطل ، قيل: هذا مثل ضربه الله للحق وأهله ، والباطل وحزبه ، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله من السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به ، وينفعهم أنواع المنافع وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحلي منه ، واتخاذ الأوانى والآلات المختلفة ، وأن ذلك ماكث في الأرض ، باق بقاء ظاهرا يثبت الماء في منابعه ، وكذا الجواهر تبقى أزمنة متطاولة . وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ، ووشك زواله ، وعدم الانتفاع به بزبد السيل ، الذي يرمي به الفلز الذي يطفوا فوقه إذا أذيب . وقال الجمهور : هذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن والقلوب والحق والباطل ، فالماء: القرآن نزل لحياة الجنان ، كالماء للأبدان ، والأودية : القلوب . ومعنى" بقدرها": بقدر (لعله) سعة القلب وضيقه . و"الزبد" : الهواجس﴿و﴾ الخواطر ، هواجس النفس ، ووساوس الشيطان . والماء الصافي المنتفع به مثل الحق ، كما يذهب الزبد باطلا ، ويبقى صفو الماء ، كذلك هواجس النفس ووساوس الشيطان ، ويبقى الحق كما هو . وأما حلية الذهب والفضة فمثل للأحوال السنية والأخلاق الزكية . وأما متاع الحديد والنحاس والرصاص فمثل للأعمال الممتدة بالإخلاص ، المعدة للخلاص ، فإن الأعمال جالبة للثواب ، دافعة للعقاب ، كما أن تلك الجواهر بعضها أداة النفع في الكسب ، وبعضها آلة الدفع في الحرب ، وأما الزبد فالرياء والخلل والملل والكسل .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٢٤

[سورة الرعد — آية 17]

قوله : ﴿ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ الكبير بقدره ، والصغير بقدره ﴿ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً ﴾ أي : عالياً ، يعني الزبد الذي قد ربا فوق الماء .

﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ﴾ هذه ثلاثة أمثال في مثل واحد ضربها الله للمؤمن والكافر .

فأما قوله : ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ ﴾ فإنه يعني الذهب والفضة إذا أذيبا ، فعلا خبثهما ، وهو الزبد ، فخلص خالصهما تحت ذلك الزبد . ﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ أي : وابتغاء متاع ، ما يستمتع به ، زبد مثله ، أي : مثل زبد الماء . والذي يوقد عليه ابتغاء متاع هو الحديد والنحاس والرصاص إذا صُفِّيَ ذلك أيضاً فخلص خالصه وعلا خبثه ، وهو زبده .

قال الله : ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله الحَقَّ وَالبَاطِلَ ﴾ .

قال : ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ ﴾ زبد الماء وزبد الحلي وزبد الحديد والنحاس والرصاص ﴿ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ﴾ أي : باطلاً لا ينتفع به ، وهذا مثل عمل الكافر لا ينتفع به في الآخرة ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ﴾ أي : فينتفع بالماء ، فينبت عليه الزرع والمرعى ، فينتفع به . وينتفع بذلك الحلي والمتاع الخالص من الصفر والحديد والرصاص . فهذا عمل المؤمن يبقى ثوابه في الآخرة .

قوله : ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله الأَمْثالَ ﴾ . ثم فسّر تلك الأمثال فقال :

﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ ﴾ أي : آمنوا بربهم ﴿ الحُسْنَى ﴾ أي : الجنة . ﴿ وَالّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ أي : الكفار ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ ﴾ .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « يقال للكافر يوم القيامة : لو أن لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول : نعم . فيقال له : كذبت . قد سئلت ما هو أهون من ذلك »

قال : ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الحِسَابِ ﴾ أي : لافتدوا به من سوء الحساب؛ يؤخذون بسيئاتهم ، وتحبط حسناتهم؛ أي : قد استوفوها في الدنيا ، فلهم سوء الحساب في الآخرة . وسوء الحساب شدته . وحسابهم أن يصيروا إلى النار .

﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ أي : ومنزلتهم جهنم ﴿ وَبِئْسَ المِهَادُ ﴾ أي : وبئس الفراش . والمهاد والفراش والقرار واحد . مثل قوله : ﴿ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً ﴾ [ البقرة : 22 ] ومهاداً وبساطاً وقراراً .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٢٤

[سورة الرعد — آية 17]

﴿ أَنْزَل مِنَ السَّمَاءِ ﴾ من السحاب ، أَو من جهة السماءِ ، فإِن السحاب من جهتها أَو من نفس السماءِ أَو السموات تحقيقاً ، والله قادر ، أَو المرد أَن مبادئَه منها ، والأَول أَولى؛ لأَن بعض الأَمطار من ماءِ البحور أَو العيون ﴿ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ ﴾ جمع واد ، جمع فاعل على أَفعلة على غير قياس كما يجمع فعيل على أَفعلة قياساً ، وذلك لتوارد فعيل وفاعل على الشىءِ الواحد ، كعالم وعليم وشاهد وشهيد ، وهو المنفرج بين الجبلين ، وليس ما بين الجبلين كله يسيل فيه الماءُ ، بل يسيل فى جانبه ، مما يلى الجيل ، ويسمى كله واديا؛ لأَن فيه موضع جريان الماءِ ، وهو من ودى يدى بمعنى وصل إِليه ، والماءُ يصل منه إِلى غيره ، وأَسند السيلان إِلى الموضع مع أَنه للماءِ للعلاقة الحالية والمحلية ، أَو سمى الماءُ باسم الوادى لتلك العلاقة ، وهذا أَولى من تقدير مضاف هكذا : سال ماءُ أَودية ، ونكر الأَودية لأَنها لا تسيل الأَودية كلها إِذا نزل الماءُ بل بعضها ﴿ بِقَدَرِهَا ﴾ بمقدارها الذى يسبق به القضاء من كثرة وقلة وامتلاءٍ وغير امتلاءٍ ، وضر ونفع ، فأَرض طيبة تتأَثر بالماءِ فتنب وتثمر كالمؤْمن يتأَثر بالوحى ينتفع وينفع الناس به ، وأَرض تمسك الماءَ للناس والدواب ، ولا تتأَثر به كمؤْمنم وغيره يحفظ الوحى وينتفع به الناس ولا ينتفع به ، وكحافظ وحى ينساه فيؤَديه فى غيره قبل النسيان ، وأَرض لا تمسك الماءَ ولا تتأََثر بالمطر ، كالمشرك والفاسق يسمعان الوحى ولا ينفعان به ولا ينتفعان به ، ﴿ فْاحتَمَلَ ﴾ فحمل من الخماسى بالزيادة الجائِى بمعنى الثلاثى ، أَو هو للمبالغة ﴿ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً ﴾ السيل : الماءُ الجارى ولو من غير المطر ، والمراد هنا؛ المطر ، والزبد ما على وجه الماء لجريانه أَو اضطرابه من وسخ ، وقيل : ما على وجهه ولو من غير اضطراب ، أَو جرى كما يكون ماءٌ فى إِناءٍ ، ويقال : هو ما على الماءِ من العشب اليابس ، ورابيا عالياً ، وعرف السيل؛ لأَنه قد تقدم وما يتضمنه فى قوله : فسالت وهو المصدر الذى فى ضمن الفعل ، والسيل مصدر أَى فاحتمل جريان الماءِ زبدا ، أَو الوصف ، فإِن الضرب يدل على ضارب ، وسالت على سائِل ، والسيل بمعنى الماءِ السائِل ، وكأَنه ذكر فى سالت ، وهو نكرة ، وأُعيد معرفة فى فاحتمل السيل ، أَلا ترى كيف يجوز رد الضمير إِلى ما يفهم من الفعل ، والضمير معرفة كمعرفة العهد نحو : ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ و ﴿ اعدلوا هو أَقرب للتقوى ﴾ ومن كذب فهو شر له ، أَى يرض الشكر والعدل أَقرب ، والكذب شر له ، وأَولى من ذلك أَن تكون أَل للحقيقة ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ ﴾ خبر مقدم ومن للابتداءِ وزبد مبتدأٌ أَى زبد مثل زبد السيل ، وما واقعة على الجواهر الأَرضية كالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص ، ومن للابتداءِ لأَن زبداً مثل زبد السيل ينشأُ مما يوقدون ، والمعنى ثابت مما توقدون بالتولد منه ، وإِن شئْت قدرت الخبر كونا خاصاً أَى ناشىٌْ أَو متولد مما إلخ ، أَو للتبعيض بمعنى وبعضه ربد ، وحاصل المعنى أَن الموقد عليه من الجواهر المعدنية له زبد مثل الزبد الذى يعلو الماءَ إِذا أَذيب ، فالصافى ينتفع به كما ينتفع بالماءَ ، وزبده يبطل كما يبطل زبد الماءِ ، ووجه الشبه أَن كلا ناشىءٌ من الأَكدار وصاعد وعال ، والآية تهاون بما يستعظمون من نحو الذهب والفضة ، إِذ ذكرها بلفظ ما لا بلفظ الذهب والفضة ونحوهما مع لفظ الإِيقاد عليها فى النار كما قال يُوقدون ﴿ علَيْهِ فِى النَّارِ ﴾ على عادة الملوك فى الاحتقار بالشىءِ كقوله :

﴿ أَوقد لى يا هامان على الطين ﴾ فى تحصيل الأَجر ، أَى هذه الجواهر التى تعدونها أَنفس الجواهر وتفتخرون بها وتتخذونها حلياً تتزينون بها فى مجالسكم هى التى توقدون عليها كقوله تعالى : ﴿ فلنظر الإنسان مم خلق * خلق من ماءٍ دافق ﴾ وقوله : ﴿ من أَى شىءٍ خلقه * من نطفة خلقه فقدره ﴾ أَى شىءٌ حقير ، وللاحتقار لم يذكرها باسم الذهب والفضة والنحاس ، فى النار حال من الهاءِ أَو متعلق بتوقد ﴿ ابْتِغَآءَ ﴾ طلب مفعول من أَجله ﴿ حِلْيَةٍ ﴾ ما يتزين به فى البدن أَو فى اللباس ﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ ما يتمتع به كأَوانى النحاس وآلات الحرب وآلات الحرث والدنانير والدراهم والفلوس ﴿ زَبَدٌ مِثلُهُ ﴾ زبد مثل زبد الماءِ ، هو خبث تلك الجواهر ورديئها ، أَو الوسخ ﴿ كَذَلِكَ يَضرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالْبَاطِلَ ﴾ كما ذكر من الماءِ والموقد عليه والزبدين ، يضرب الله مثل الحق والباطل على العموم ، أَو التوحيد والشرك ، فالحق فى الثبات والنفع كالماءِ من السماءِ يحرث به ويجمع فى الأَحواض والإِضاآت ويمكث فوق الجبال السفلية وتحتها ، وكالجواهر المنتفع بها مع الطول والباطل فى سرعة الذهاب وعدم النفع أَو قلته كزبد الماءِ وزبد الموقد عليه ﴿ فَأَمَّا الزَّبدُ ﴾ زبد الماءِ وزبد الموقد عليه وهما مثلان للباطل ﴿ فيَذْهَبُ جُفَاءً ﴾ حال بمعنى ذا جفاءٍ ، أَو مجفوا أَى غير معتنى به بل يرمى أَو لا يتعرض له ، أَو مفعول مطلق أَى ذهاب جفاءٍ ﴿ وأَمَّأ مَا يَنْفَعُ النَّاسَ ﴾ من الماءِ والجواهر الموقد عليها ﴿ فيَمْكُثُ فِى الأَرْضِ ﴾ زمانا للانتفاع به ، والعرب توضح الشىءَ بالمثال فميز الله الحق بالمثل ، كما أَوضح المشرك بالجاهل والأَعمى ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهَ الأَمْثَالَ ﴾ لزيادة البيان مثل ذلك الضضرب العجيب يضرب الله الأَمثال فى كل باب يليق إِظهارا للطف والعناية فى الهداية ، وهذا تأْكيد لقوله تعالى : ﴿ كذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ إِذ الظاهر أَن ذلك إِشارة إِليهما بتأَويل ما ذكر ، أَو إِلى ضرب المثل لهما كما هو الظاهر ، وهذا مبنى على التمثيل الأَول ، أَو نجعل ذلك إِشارة إِليهما معا والأَمثال المثلان .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٢٤