تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الرعد

الجزء الرعد · صفحة ٠
[سورة الرعد — آية 17]

﴿ أَنْزَل مِنَ السَّمَاءِ ﴾ من السحاب ، أَو من جهة السماءِ ، فإِن السحاب من جهتها أَو من نفس السماءِ أَو السموات تحقيقاً ، والله قادر ، أَو المرد أَن مبادئَه منها ، والأَول أَولى؛ لأَن بعض الأَمطار من ماءِ البحور أَو العيون ﴿ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ ﴾ جمع واد ، جمع فاعل على أَفعلة على غير قياس كما يجمع فعيل على أَفعلة قياساً ، وذلك لتوارد فعيل وفاعل على الشىءِ الواحد ، كعالم وعليم وشاهد وشهيد ، وهو المنفرج بين الجبلين ، وليس ما بين الجبلين كله يسيل فيه الماءُ ، بل يسيل فى جانبه ، مما يلى الجيل ، ويسمى كله واديا؛ لأَن فيه موضع جريان الماءِ ، وهو من ودى يدى بمعنى وصل إِليه ، والماءُ يصل منه إِلى غيره ، وأَسند السيلان إِلى الموضع مع أَنه للماءِ للعلاقة الحالية والمحلية ، أَو سمى الماءُ باسم الوادى لتلك العلاقة ، وهذا أَولى من تقدير مضاف هكذا : سال ماءُ أَودية ، ونكر الأَودية لأَنها لا تسيل الأَودية كلها إِذا نزل الماءُ بل بعضها ﴿ بِقَدَرِهَا ﴾ بمقدارها الذى يسبق به القضاء من كثرة وقلة وامتلاءٍ وغير امتلاءٍ ، وضر ونفع ، فأَرض طيبة تتأَثر بالماءِ فتنب وتثمر كالمؤْمن يتأَثر بالوحى ينتفع وينفع الناس به ، وأَرض تمسك الماءَ للناس والدواب ، ولا تتأَثر به كمؤْمنم وغيره يحفظ الوحى وينتفع به الناس ولا ينتفع به ، وكحافظ وحى ينساه فيؤَديه فى غيره قبل النسيان ، وأَرض لا تمسك الماءَ ولا تتأََثر بالمطر ، كالمشرك والفاسق يسمعان الوحى ولا ينفعان به ولا ينتفعان به ، ﴿ فْاحتَمَلَ ﴾ فحمل من الخماسى بالزيادة الجائِى بمعنى الثلاثى ، أَو هو للمبالغة ﴿ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً ﴾ السيل : الماءُ الجارى ولو من غير المطر ، والمراد هنا؛ المطر ، والزبد ما على وجه الماء لجريانه أَو اضطرابه من وسخ ، وقيل : ما على وجهه ولو من غير اضطراب ، أَو جرى كما يكون ماءٌ فى إِناءٍ ، ويقال : هو ما على الماءِ من العشب اليابس ، ورابيا عالياً ، وعرف السيل؛ لأَنه قد تقدم وما يتضمنه فى قوله : فسالت وهو المصدر الذى فى ضمن الفعل ، والسيل مصدر أَى فاحتمل جريان الماءِ زبدا ، أَو الوصف ، فإِن الضرب يدل على ضارب ، وسالت على سائِل ، والسيل بمعنى الماءِ السائِل ، وكأَنه ذكر فى سالت ، وهو نكرة ، وأُعيد معرفة فى فاحتمل السيل ، أَلا ترى كيف يجوز رد الضمير إِلى ما يفهم من الفعل ، والضمير معرفة كمعرفة العهد نحو : ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ و ﴿ اعدلوا هو أَقرب للتقوى ﴾ ومن كذب فهو شر له ، أَى يرض الشكر والعدل أَقرب ، والكذب شر له ، وأَولى من ذلك أَن تكون أَل للحقيقة ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ ﴾ خبر مقدم ومن للابتداءِ وزبد مبتدأٌ أَى زبد مثل زبد السيل ، وما واقعة على الجواهر الأَرضية كالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص ، ومن للابتداءِ لأَن زبداً مثل زبد السيل ينشأُ مما يوقدون ، والمعنى ثابت مما توقدون بالتولد منه ، وإِن شئْت قدرت الخبر كونا خاصاً أَى ناشىٌْ أَو متولد مما إلخ ، أَو للتبعيض بمعنى وبعضه ربد ، وحاصل المعنى أَن الموقد عليه من الجواهر المعدنية له زبد مثل الزبد الذى يعلو الماءَ إِذا أَذيب ، فالصافى ينتفع به كما ينتفع بالماءَ ، وزبده يبطل كما يبطل زبد الماءِ ، ووجه الشبه أَن كلا ناشىءٌ من الأَكدار وصاعد وعال ، والآية تهاون بما يستعظمون من نحو الذهب والفضة ، إِذ ذكرها بلفظ ما لا بلفظ الذهب والفضة ونحوهما مع لفظ الإِيقاد عليها فى النار كما قال يُوقدون ﴿ علَيْهِ فِى النَّارِ ﴾ على عادة الملوك فى الاحتقار بالشىءِ كقوله :

﴿ أَوقد لى يا هامان على الطين ﴾ فى تحصيل الأَجر ، أَى هذه الجواهر التى تعدونها أَنفس الجواهر وتفتخرون بها وتتخذونها حلياً تتزينون بها فى مجالسكم هى التى توقدون عليها كقوله تعالى : ﴿ فلنظر الإنسان مم خلق * خلق من ماءٍ دافق ﴾ وقوله : ﴿ من أَى شىءٍ خلقه * من نطفة خلقه فقدره ﴾ أَى شىءٌ حقير ، وللاحتقار لم يذكرها باسم الذهب والفضة والنحاس ، فى النار حال من الهاءِ أَو متعلق بتوقد ﴿ ابْتِغَآءَ ﴾ طلب مفعول من أَجله ﴿ حِلْيَةٍ ﴾ ما يتزين به فى البدن أَو فى اللباس ﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ ما يتمتع به كأَوانى النحاس وآلات الحرب وآلات الحرث والدنانير والدراهم والفلوس ﴿ زَبَدٌ مِثلُهُ ﴾ زبد مثل زبد الماءِ ، هو خبث تلك الجواهر ورديئها ، أَو الوسخ ﴿ كَذَلِكَ يَضرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالْبَاطِلَ ﴾ كما ذكر من الماءِ والموقد عليه والزبدين ، يضرب الله مثل الحق والباطل على العموم ، أَو التوحيد والشرك ، فالحق فى الثبات والنفع كالماءِ من السماءِ يحرث به ويجمع فى الأَحواض والإِضاآت ويمكث فوق الجبال السفلية وتحتها ، وكالجواهر المنتفع بها مع الطول والباطل فى سرعة الذهاب وعدم النفع أَو قلته كزبد الماءِ وزبد الموقد عليه ﴿ فَأَمَّا الزَّبدُ ﴾ زبد الماءِ وزبد الموقد عليه وهما مثلان للباطل ﴿ فيَذْهَبُ جُفَاءً ﴾ حال بمعنى ذا جفاءٍ ، أَو مجفوا أَى غير معتنى به بل يرمى أَو لا يتعرض له ، أَو مفعول مطلق أَى ذهاب جفاءٍ ﴿ وأَمَّأ مَا يَنْفَعُ النَّاسَ ﴾ من الماءِ والجواهر الموقد عليها ﴿ فيَمْكُثُ فِى الأَرْضِ ﴾ زمانا للانتفاع به ، والعرب توضح الشىءَ بالمثال فميز الله الحق بالمثل ، كما أَوضح المشرك بالجاهل والأَعمى ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهَ الأَمْثَالَ ﴾ لزيادة البيان مثل ذلك الضضرب العجيب يضرب الله الأَمثال فى كل باب يليق إِظهارا للطف والعناية فى الهداية ، وهذا تأْكيد لقوله تعالى : ﴿ كذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ إِذ الظاهر أَن ذلك إِشارة إِليهما بتأَويل ما ذكر ، أَو إِلى ضرب المثل لهما كما هو الظاهر ، وهذا مبنى على التمثيل الأَول ، أَو نجعل ذلك إِشارة إِليهما معا والأَمثال المثلان .

١٬٧٢٤ / ٦٬٢٣٦