التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الرعد

الجزء الرعد · صفحة ٠
[سورة الرعد — آية 17]

﴿ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء﴾، أي: الواحد القهار ، ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾ هو ما على وجه الماء من الرغوة ، ﴿ رَّابِيًا﴾ منتفخا مرتفعا على وجه السيل ، ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ﴾ ، أي: ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء ، ﴿ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ﴾ مبتغين حلية متحلى بها ، ﴿ أَوْ مَتَاعٍ﴾ من الحديد والنحاس والرصاص يتخذ منها الأواني وما يتمتع به ، ﴿ زَبَدٌ﴾ خبث ﴿ مِّثْلُهُ ،كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي: مثل الحق والباطل ، ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء﴾ ، وهو ما تقذفه القدر عند الغليان ، والبحر عند الطغيان ، والجفو : الرمي ، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ من الماء والحلي والأواني ، ﴿ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ فيثبت الماء في ينابيع الأرض ، وكذلك الجواهر تبقى في الأرض مدة طويلة ، ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ﴾ ليظهر الحق من الباطل ، قيل: هذا مثل ضربه الله للحق وأهله ، والباطل وحزبه ، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله من السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به ، وينفعهم أنواع المنافع وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحلي منه ، واتخاذ الأوانى والآلات المختلفة ، وأن ذلك ماكث في الأرض ، باق بقاء ظاهرا يثبت الماء في منابعه ، وكذا الجواهر تبقى أزمنة متطاولة . وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ، ووشك زواله ، وعدم الانتفاع به بزبد السيل ، الذي يرمي به الفلز الذي يطفوا فوقه إذا أذيب . وقال الجمهور : هذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن والقلوب والحق والباطل ، فالماء: القرآن نزل لحياة الجنان ، كالماء للأبدان ، والأودية : القلوب . ومعنى" بقدرها": بقدر (لعله) سعة القلب وضيقه . و"الزبد" : الهواجس﴿و﴾ الخواطر ، هواجس النفس ، ووساوس الشيطان . والماء الصافي المنتفع به مثل الحق ، كما يذهب الزبد باطلا ، ويبقى صفو الماء ، كذلك هواجس النفس ووساوس الشيطان ، ويبقى الحق كما هو . وأما حلية الذهب والفضة فمثل للأحوال السنية والأخلاق الزكية . وأما متاع الحديد والنحاس والرصاص فمثل للأعمال الممتدة بالإخلاص ، المعدة للخلاص ، فإن الأعمال جالبة للثواب ، دافعة للعقاب ، كما أن تلك الجواهر بعضها أداة النفع في الكسب ، وبعضها آلة الدفع في الحرب ، وأما الزبد فالرياء والخلل والملل والكسل .

١٬٧٢٤ / ٦٬٢٣٦