سورة الرعد · الآية ١٨ من ٤٣

‹ السورة السابقة
لِلَّذِینَ ٱسۡتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱلَّذِینَ لَمۡ یَسۡتَجِیبُوا۟ لَهُۥ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡا۟ بِهِۦۤۚ أُو۟لَٰۤئِكَ لَهُمۡ سُوۤءُ ٱلۡحِسَابِ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ١٨
الرسم الإملائيّ

لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ

الجزء ١٣الربع ١٠٠ صفحة ٢٥١

تفسيرها

[سورة الرعد — آية 18]

واللام في : ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ﴾ أي: أجابوا متعلقة بـ"يضرب" ، أي: " كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا " ، ﴿لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ الباقية التي لا تنفد ، ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ﴾ مثلا للفريقين ، ﴿لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ﴾ أي: لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها مثلها ، لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم أدنى عذاب من عذاب الله ، بل ﴿أُوْلَـئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ المناقشة فيه ، بالتفتيش لجلي الأعمال وخفيها ، وقليلها وكثيرها ، وصغيرها وكبيرها ، والمجازاة عليها ، كما قال: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ ومرجعهم بعد المحاسبة النار ، ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ المكان الممهد.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٢٥

[سورة الرعد — آية 18]

قوله : ﴿ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ الكبير بقدره ، والصغير بقدره ﴿ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً ﴾ أي : عالياً ، يعني الزبد الذي قد ربا فوق الماء .

﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ﴾ هذه ثلاثة أمثال في مثل واحد ضربها الله للمؤمن والكافر .

فأما قوله : ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ ﴾ فإنه يعني الذهب والفضة إذا أذيبا ، فعلا خبثهما ، وهو الزبد ، فخلص خالصهما تحت ذلك الزبد . ﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ أي : وابتغاء متاع ، ما يستمتع به ، زبد مثله ، أي : مثل زبد الماء . والذي يوقد عليه ابتغاء متاع هو الحديد والنحاس والرصاص إذا صُفِّيَ ذلك أيضاً فخلص خالصه وعلا خبثه ، وهو زبده .

قال الله : ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله الحَقَّ وَالبَاطِلَ ﴾ .

قال : ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ ﴾ زبد الماء وزبد الحلي وزبد الحديد والنحاس والرصاص ﴿ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ﴾ أي : باطلاً لا ينتفع به ، وهذا مثل عمل الكافر لا ينتفع به في الآخرة ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ﴾ أي : فينتفع بالماء ، فينبت عليه الزرع والمرعى ، فينتفع به . وينتفع بذلك الحلي والمتاع الخالص من الصفر والحديد والرصاص . فهذا عمل المؤمن يبقى ثوابه في الآخرة .

قوله : ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله الأَمْثالَ ﴾ . ثم فسّر تلك الأمثال فقال :

﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ ﴾ أي : آمنوا بربهم ﴿ الحُسْنَى ﴾ أي : الجنة . ﴿ وَالّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ أي : الكفار ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ ﴾ .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « يقال للكافر يوم القيامة : لو أن لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول : نعم . فيقال له : كذبت . قد سئلت ما هو أهون من ذلك »

قال : ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الحِسَابِ ﴾ أي : لافتدوا به من سوء الحساب؛ يؤخذون بسيئاتهم ، وتحبط حسناتهم؛ أي : قد استوفوها في الدنيا ، فلهم سوء الحساب في الآخرة . وسوء الحساب شدته . وحسابهم أن يصيروا إلى النار .

﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ أي : ومنزلتهم جهنم ﴿ وَبِئْسَ المِهَادُ ﴾ أي : وبئس الفراش . والمهاد والفراش والقرار واحد . مثل قوله : ﴿ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً ﴾ [ البقرة : 22 ] ومهاداً وبساطاً وقراراً .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٢٥

[سورة الرعد — آية 18]

﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا ﴾ خبر المبتدإِ الذى هو الحسنى؛ أَى للمؤمنين الذين استجابوا ﴿ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى ﴾ أَو متعلق بيضرب ، والحسنى مفعول مطلق ، أَى استجابوا الاستجابة الحسنى ﴿ وَالَّذِينَ ﴾ للكفار الذين ﴿ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ عطف على الذين ، أَو مبتدأُ خبره قوله ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الأَرْضِ جمِيعاً وَمِثْلَهُ ﴾ من الأَموال ، أَو ما فى الأَرض مطلقا صار لهم مالا ﴿ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ ﴾ والأَول أَولى لأَن ضرب الأَمثال فيه غير مفيد كما وقع فى غير هذه الآية غير مفيد ، ويدل على أَن المراد بالأَمثال المثلان أَنه لم يقل كذلك يضرب الله الأَمثال للناس ، أَو لقوم يعقلون كما قال : ﴿ وتلك الأَمثال نضربها للناس ﴾ ومعى ﴿ لافتدوا به ﴾ أَنه يهون عليكم كله فيتركون فداءً مع أَنه لا يقبل عنهم ، وليست لو للتمنى بدليل اللام فى قوله : « لافتدوا به » فلا تهم ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ ﴾ هو على ظاهره؛ أَى فظاعة الحساب ، أَو الحساب السوءِ أَى السىءُ ، فأُضيف النعت إِلى المنعوت ، يحاسبون حسابا عسيراً لا يغفر لهم ذنب ولا هم به ، صغير ولا كبير ، وفى البخارى ومسلم عنه صلى الله عليه وسلم : « من نوقش فى الحساب عذب » ﴿ وَمَأْوَاهُمْ ﴾ مرجعهم ﴿ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ أَى المستقر ، شبه بالفراش الذى يمهد أَو تهكم به ، والمخصوص بالذم محذوف تقديره هى ، أَو مهادهم ، ونزل فى أَبى جهل لعنه الله وحمزة رضى الله عنه قوله تعالى :

﴿ أَفَمَن يعْلَمُ أَنَّمآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ ﴾ لا غيره وهو حمزة رضى الله عنه وغيره لأَن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ﴿ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ﴾ أَعمى القلب أَو كفاقد البصر لا يستبصر ولا يستجيب ، والاستفهام إِنكار ، لا يميز الحق من الباطل وهو أَبو جهل وغيره للعمل بعموم اللفظ ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ العقول المكتسبة لا أَصحاب العقول التى لم تستعمل فبقيت على متابعة ما أَلفوه وموانع الوهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٢٥