التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة النحل

الجزء النحل · صفحة ٠
[سورة النحل — آية 25]

﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ذنوبهم وذنوب أنفسهم ، وإنما ذكر الكمال ، لأن البلايا التي تلحقهم في الدنيا ، وما فعلوا من الحسنات لا تكفر عنهم شيئا من صغائرهم ، ولا من كبائرهم ، ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم﴾ أي: قالوا ذلك إضلالا للناس ، فحملوا أوزار ضلالهم كاملة ، وبعض أوزار من ضل بضلالهم ، وهو وزر الإضلال ، لأن المضل والضال شريكان . وإن دعا أحدا إلى الضلالة ولم يستجب له ، كان الداعي ضالا والمدعى من تلك الدعوة سالما. وإن﴿كان﴾ أثر ضلالته كتبا وقراطيس ، يدعو عامة الناس إليها ، وأحب أن يستجاب له في ضلالته ، كان في المعنى كأن دعا الناس جميعا إلى تلك الضلالة ، قبل من قبل ضلالته وردها من ردها.

وانظر في إبليس اللعين من حيث إنه دعا جميع الثقلين أن يعبدوه ويشركوا بالله ، فاستجاب له من استجاب منهم ، وهم الذين حق عليهم القول أن تملأ بهم جهنم ، وهم الأكثر من خلق الله ، إلا من رحم ، ومنهم من استجاب له وتاب ، فسلم المستجيب التائب ، وثبت على الداعي وزر دعوته إلى الضلالة ، ومنهم من عصمه الله من إضلاله في أشياء ، واستجاب له في أشياء ، فانظر ما يتعاظم عليه من الوزر والعذاب إلى يوم القيامة.

وانظر إلى أنبياء الله ورسله ، والعلماء بدينه ، والأئمة في الدين ، والأئمة المنصوبين ، حيث دعوا الناس كافة أن يوحدوا الله ويعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وأن يكفروا بالشيطان ، فكان لهم أجرهم وأجر من استجاب لهم ، وأجرهم بدعوة من لم يستجب لهم إلى يوم القيامة ، فانظر ما يتضاعف لهم من الأجر ، وكذلك من أثر الحق يدعوا الناس إليه ، وقد قال الله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾ ، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال ﴿أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ﴾ .

١٬٩٢٦ / ٦٬٢٣٦