[سورة الكهف — آية 107]
﴿ ذَلِكَ ﴾ المذكور من خزيهم ﴿ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ أى الشأْن ذلك أو احذروا ذلك أو ذلك جزاؤهم عليه ، أو به جهنم فحذف الرابط المضمر المجرور ، ولو لم يذكر مثله لعلمه من المقام ، كما ذكر فى قوله ، فالذى تدعى به أنت مفلح أى مفلح به ، ولا يتكرر هذا الضمير معم قوله بما كفروا ، وذلك كما تقول هذا العقاب جزاء عمرو بكفره لوقوع الكفر منه ، فالباء الثانية بمعنى التعليل أو السببية والأولى للتعدية ، هذا إذا جعلنا بما كفروا خبراً ثانيًا ، وإِلا فلا إشكال .
ويجوز أن يكون جزاء بدلا وهو المراعى فى الإخبار بجهنم ، أو جزاؤهم غير ذلك ، وجهنم بدل جزاؤهم ، والإشارة على هذا إلى جهنم الحاضرة فى الذهن أو خبره قوله :
﴿ بِمَا كَفَرُوا ﴾ وجزاؤهم جهنم معترضة ، أو جزاء بدل من ذلك أو بيان وجهنم بدل أو بيان من جزاء أو بما إلخ متعلق بجزاء إِلا أنه مفصول بجهنم ، وجاز لأنه مقصود بتأْويل الفعل ، وما مصدرية أى بكفرهم واتخاذهم آيات الله ورسله هزواً كما قال عطفًا عليه .
﴿ وَاتَّخَذُوا آيَاتِى وَرُسُلِى هُزُوًا ﴾ نفس الهزء مبالغة أو مهزوءاً بها ، أو هم بتغليب العقلاء ، لم يقتصروا على الكفر بها ، بل زادوا الهزء ، والآيات كتب الله ، والمعجزات ، وعقب الله سبحانه الكفر وجزاءه بالإيمان ، وجزاؤه فى قوله :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بالله ورسوله وآياته على العموم ، لا كما قيل ، نزلت فى طائفة مخصوصة ، ولا سيما أنها نزلت فى مقابلة عامة الكفرة ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ الفرائض ، والسنن والنفل ، ومنها ترك المعاصى لله عز وجل ، فإنه لتحققها بعد كأنها مضت ، وفى ذلك تلويح بأَنها بمقتضى الرحمة الأزلية ، بخلاف النار فبمجرد قضائه ، واختيارهم السوء كما قال : سبقت رحمتى غضبى ، ولم يقل اعتدنا ، لأن ما اعتيد قد تم وادخر ، وخير الجنة لا يزال يزداد قبل الموت ، وبعده وبعد الدخول فيها كما ورد أنه من فعل كذا ، لم تزل الملائكة تغرس له ، ولأن ما اعتيد قد لا يصل من ادخر له فى الجملة ، وما ثبت لأحد فى القضاء ، واللوح لا يخطئه .
﴿ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ ﴾ الجامع للعنب وغيره من الثمار كلها ، الملتف الشجر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلاها وفوقه عرش الرحمن ومنها تفجر أنهار الجنة » رواه البخارى ومسلم وابن أبى حاتم عن أبى هريرة .
وقال صلى الله عليه وسلم : « الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين ما بين السماء والأرض والفردونس أعلى الجنة فإذا سأَلتم الله فاسأَلوه الفردوس » رواه أبو عبيدة بن الجراح وعن كعب الأحبار : « ليس فى الجنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر » وصح أن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش ، وإضافة جنات الفردوس للتشبيه ولكونهن تحت جنة الفردوس أو حولها ، لكن جنة الفرد س أعلى منهن ، فليست الآية فيمن يدخل جنة الفردوس ، بل فى عامة المؤمنين ، والجنات ، وأما خاصتهم وخاصة جنة الفردوس فمن خارج الآية ، أو الجنات كلها فردوس ، فالإضافة للبيان .
والفردوس المخصوص معين لأهله منهن ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا صليتم علىّ فاسألوا الله لى الوسيلة أعلى درجة فى الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو » رواه أحمد عن أبى هريرة ، فمعناه أن الوسيلة فى أعلى الفردوس الذى هو أعلى الجنات .
﴿ نُزُلا ﴾ هن مع عظمهن مثل ما يعجل للضيف قبل الاحتفال له ، لأنهن لا يزلن يزددن خيراً ، وقيل النزل المنزل ونزلا خبر ثان ، والأول لهم أو يعلق لهم بكانت أو حال من نزلا ، ونزلا خبر أو لهم خبر ونزلا حال من جنات .