وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمࣰا مَّقۡضِیࣰّا٧١
الرسم الإملائيّ
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا
الجزء ١٦الربع ١٢٤ صفحة ٣١٠
تفسيرها
﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ عن أبي سعيد فيما أرجو ، " وعن قول الله : ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ، فقد قيل: إنه يوم القيامة ، وقيل: الورود هاهنا المنظر" ، والله أعلم بتأويل كتابه . ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ كان ورودهم واجبا أوجبه الله على نفسه ، فلا محال في وقوعه . ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ فيساقون إلى الجنة ، ﴿وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ منهارة بهم.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٢١
قوله : ﴿ وَإِن مِّنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ يعني قسماً كائناً .
ذكروا عن ابن مسعود أنه قال في تفسيرها : الصراط على جهنم مثل حد السيف ، والملائكة معهم كلاليب من حديد ، كلما وقع رجل منهم اختطفوه . قال : فيمر الصنف الأول كالبرق ، والثاني كالريح ، والثالث كأجود الخيل ، والرابع كأجود البهائم . والملائكة يقولون : اللهم سلّم سلّم .
ذكر مجاهد عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية وعنده نافع بن الأزرق وإياس ابن مضرّب فقال نافع بن الأزرق : أما الكفار فيردونها ، وأما المؤمنون فلا يردونها . فقال ابن عباس : أما أنا وإياس فإنا سنردها وانظر هل نخرج منها أو لا .
ذكروا عن الحسن أنه قال : ﴿ وَإن مِّنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ أي إلا داخلها ، فيجعلها الله برداً وسلاماً على المؤمنين ، كما جعلها على إبراهيم .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا يدخل النار من شهد بدراً والحديبية؛ » فقالت حفصة : بلى . فانتهرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : أليس يقول الله : ( وإن مِّنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ) فقال النبي عليه السلام : أوليس قد قال : ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَوْا ﴾ .
ذكر بعضهم قال : يضرب الصراط على جهنم كحدِّ السيف ، دحض مزلّة ، فيمرون عليه كالبرق وكالريح ، وكانقضاض الطير ، وكجواد الخيل ، وكجواد الرجال والملائكة [ بجنبي الصراط معهم خطاطيف ] كشوك السعدان ، فناج سالم ، ومخدوش ناج ، ومكدوس في النار ، والملائكة يقولون : ربّ سلّم سلّم .
ذكروا عن ابن مسعود أنه قال : يضرب الصراط على جهنم ، فيمر الناس على قدر أعمالهم : أولهم كلمع البرق ، وكمر الريح ، وكمر الطير ، ثم كأسرع البهائم ، ثم يمر الرجل سعياً ، ثم يمر الرجل مشياً ، وتزل قدم وتستمسك أخرى . قال عبد الله بن مسعود : حتى يكون آخرهم رجل يتلبّط على بطنه فيقول : يا رب ، لم أبطأت بي ، فيقول : لم أبطئ بك ، وإنما أبطأ بك عملك . وقال بعضهم : بلغنا أن الصراط ثلاث عواقب .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٢١
﴿ وإِنْ مِنْكُم ﴾ ما واحد منكم ﴿ إلا وَاردُها ﴾ التفات من الغيبة الى الخطاب للتأكيد ، كما يدل له قراءة ابن عباس ، وإن منهم إلا واردها ، ويحتمل أن يكون استئنافاً خطاباً للناس كلهم ، وهو واضح لا لمن ذكر قبل خاصة فلا التفات ، وها فى واردها للقيامة عند ابن مسعود ، والصحيح أنه لجهنم ، والورود هنا المرور عليها بلا دخول ، كما رواه عبد بن حميد وابن الأنبارى ، والبيهقى عن الحسن البصرى ، وكذا روى عن قتادة والحضور عام للكافر والمؤمن أو نقول الورود الدخول ، أو نقول الخطاب للكفار كما يدل له قراءة ابن عباس رضى الله عنهما ، وأن منهم وأخرج عبد بن حميد عن عبيد بن عمير أن الورود الحضور ، والقرب كما فى قوله تعالى : ﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ وكما فسره إدريس لملك الموت فى قصته المذكورة آنفا ، واختار بعضهم أن الورود حضورهم جاثين حولها .
وأخرج الترمذى والطبرانى ، عن يعلى بن أمية ، عن النبى صلى الله عليه وسلم : « أنه تقول النار للمؤمن يوم القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهيبى » ، فنقول تقول ذلك عند مروره عليها ، وأخرج ابن أبى شيبة ، وعبد ابن حميد ، والحكيم عن خالد بن معدان ، إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا : ربنا ألم تعدنا أن نرد النار؟ قال : بلى ولكنكم مررتم عيها وهى خامدة ، فهذا مرور حولها إذا لم يقل مررتم فيها ، ولم تصح عندنا أحاديث دخول المسلمين فيها ، وقولها جز يا مؤمن الخ وأنها برد عليه ، وأن لها ضجة من برده ، ولا ينافى حضورهم حولها قوله تعالى : ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ لأن المراد إبعادهم عن عذابها ، أو إبعادهم عنها بعد أن يكونوا قريبا منها ، وعن مجاهد ، أن ورود المؤمن النار مس الحمى جسده فى الدنيا لقوله صلى الله عليه وسلم : « الحمى من قيح جهنم » ولا دليل فى الحديث هذا على أن مس الحمى هو المراد فى قوله عز وجل : ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ . وأخرج ابن جرير عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل موعوك وأنا معه ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : « إن الله تعالى يقول : هى نارى أسلطها على عبدى المؤمن لتكون حظه من النار فى الآخرة ، » ولا دلالة فيه على عدم ورود المؤمن المحموم فى الدنيا النار فى الآخرة ، وغايته أن المؤمن يحفظ من نار الآخرة ، وكان عبدالله ابن رواحة يبكى ، ويقول : أخبرنى ربى أنى وارد ولم يخبرنى أنى صادر . ويقول بعض الصحابة لبعض : هل أخبرك ربك أنك وارد؟ فيقول : نعم ، فيقول هل أخبرك أنك صادر ، فيقول لا فيقول ففيم الضحك .
﴿ كان ﴾ ورودهم إياها ﴿ عَلى ربِّك ﴾ متعلق بمحذوف خبر كان ، والمنصوبان بعد خبران آخران ، أو متعلق بكان أو بقوله ﴿ حَتْماً ﴾ واجباً فيكون الخبر حتما ﴿ مَقْضياً ﴾ قضى بوقوعه قطعاً خبر آخر ، أو نعت لحتماً أو متعلق بمقضياً ، ولو كان مقضياً نعتاً للفاصلة ، بأن قدم متعلقة على منعوته ، أو يعلق بمقضيا إذا لم يكن نعتا ولا واجبا على الله ، والمعنى أن ذلك كأنه واجب بأن أوجبه الله على نفسه أو كأنه أوجبه أحد على الله سبحانه ، عن كل نقص لكن الكلام مجاز ، لا حقيق ، والجملة فى معنى القسم أو قوله : ﴿ وإن منكم ﴾ إلى ﴿ مقضيا ﴾ ومعنى القسم ، واليس قسما نحوياً ، ويدل على أنه قسم فى المعنى قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يموت المسلم ثلاث من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم » رواه البخارى ومسلم ، والترمذى والنسائى وابن ماجه ، عن أبى هريرة ، يعنى : وإن منكم إلا واردها ، كان على ربك حتما مقضياً « .
وقوله صلى الله عليه وسلم : » من حرس من وراء المسلمين فى سبيل الله متطوعاً لا يأخذه سلطان ثم ير النار بعينه إلا تحلة القسم « فإن الله تعالى يقول : ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ رواه أحمد والبخارى والطبرانى ، عن معاذ بن أنس ، وهذا الحديث يدل على أن المراد بورودها رؤيتها ، وفيه بيان أن القسم هو قوله : ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ فقط وهو قسم معنوى لا اصطلاحى كما مرَّ إلا أن عطف على جواب القسم الاصطلاحى ، وهو قوله : ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ فإنه معطوف على الجواب ، والمعطوف على الجواب جواب .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٢١