سورة مريم · الآية ٧١ من ٩٨

‹ السورة السابقة
وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمࣰا مَّقۡضِیࣰّا٧١
الرسم الإملائيّ

وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا

الجزء ١٦الربع ١٢٤ صفحة ٣١٠

تفسيرها

[سورة مريم — آية 71]

﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ عن أبي سعيد فيما أرجو ، " وعن قول الله : ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ، فقد قيل: إنه يوم القيامة ، وقيل: الورود هاهنا المنظر" ، والله أعلم بتأويل كتابه . ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ كان ورودهم واجبا أوجبه الله على نفسه ، فلا محال في وقوعه . ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ فيساقون إلى الجنة ، ﴿وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ منهارة بهم.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٢١

[سورة مريم — آية 71]

قوله : ﴿ وَإِن مِّنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ يعني قسماً كائناً .

ذكروا عن ابن مسعود أنه قال في تفسيرها : الصراط على جهنم مثل حد السيف ، والملائكة معهم كلاليب من حديد ، كلما وقع رجل منهم اختطفوه . قال : فيمر الصنف الأول كالبرق ، والثاني كالريح ، والثالث كأجود الخيل ، والرابع كأجود البهائم . والملائكة يقولون : اللهم سلّم سلّم .

ذكر مجاهد عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية وعنده نافع بن الأزرق وإياس ابن مضرّب فقال نافع بن الأزرق : أما الكفار فيردونها ، وأما المؤمنون فلا يردونها . فقال ابن عباس : أما أنا وإياس فإنا سنردها وانظر هل نخرج منها أو لا .

ذكروا عن الحسن أنه قال : ﴿ وَإن مِّنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ أي إلا داخلها ، فيجعلها الله برداً وسلاماً على المؤمنين ، كما جعلها على إبراهيم .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا يدخل النار من شهد بدراً والحديبية؛ » فقالت حفصة : بلى . فانتهرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : أليس يقول الله : ( وإن مِّنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ) فقال النبي عليه السلام : أوليس قد قال : ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَوْا ﴾ .

ذكر بعضهم قال : يضرب الصراط على جهنم كحدِّ السيف ، دحض مزلّة ، فيمرون عليه كالبرق وكالريح ، وكانقضاض الطير ، وكجواد الخيل ، وكجواد الرجال والملائكة [ بجنبي الصراط معهم خطاطيف ] كشوك السعدان ، فناج سالم ، ومخدوش ناج ، ومكدوس في النار ، والملائكة يقولون : ربّ سلّم سلّم .

ذكروا عن ابن مسعود أنه قال : يضرب الصراط على جهنم ، فيمر الناس على قدر أعمالهم : أولهم كلمع البرق ، وكمر الريح ، وكمر الطير ، ثم كأسرع البهائم ، ثم يمر الرجل سعياً ، ثم يمر الرجل مشياً ، وتزل قدم وتستمسك أخرى . قال عبد الله بن مسعود : حتى يكون آخرهم رجل يتلبّط على بطنه فيقول : يا رب ، لم أبطأت بي ، فيقول : لم أبطئ بك ، وإنما أبطأ بك عملك . وقال بعضهم : بلغنا أن الصراط ثلاث عواقب .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٢١

[سورة مريم — آية 71]

﴿ وإِنْ مِنْكُم ﴾ ما واحد منكم ﴿ إلا وَاردُها ﴾ التفات من الغيبة الى الخطاب للتأكيد ، كما يدل له قراءة ابن عباس ، وإن منهم إلا واردها ، ويحتمل أن يكون استئنافاً خطاباً للناس كلهم ، وهو واضح لا لمن ذكر قبل خاصة فلا التفات ، وها فى واردها للقيامة عند ابن مسعود ، والصحيح أنه لجهنم ، والورود هنا المرور عليها بلا دخول ، كما رواه عبد بن حميد وابن الأنبارى ، والبيهقى عن الحسن البصرى ، وكذا روى عن قتادة والحضور عام للكافر والمؤمن أو نقول الورود الدخول ، أو نقول الخطاب للكفار كما يدل له قراءة ابن عباس رضى الله عنهما ، وأن منهم وأخرج عبد بن حميد عن عبيد بن عمير أن الورود الحضور ، والقرب كما فى قوله تعالى : ﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ وكما فسره إدريس لملك الموت فى قصته المذكورة آنفا ، واختار بعضهم أن الورود حضورهم جاثين حولها .

وأخرج الترمذى والطبرانى ، عن يعلى بن أمية ، عن النبى صلى الله عليه وسلم : « أنه تقول النار للمؤمن يوم القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهيبى » ، فنقول تقول ذلك عند مروره عليها ، وأخرج ابن أبى شيبة ، وعبد ابن حميد ، والحكيم عن خالد بن معدان ، إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا : ربنا ألم تعدنا أن نرد النار؟ قال : بلى ولكنكم مررتم عيها وهى خامدة ، فهذا مرور حولها إذا لم يقل مررتم فيها ، ولم تصح عندنا أحاديث دخول المسلمين فيها ، وقولها جز يا مؤمن الخ وأنها برد عليه ، وأن لها ضجة من برده ، ولا ينافى حضورهم حولها قوله تعالى : ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ لأن المراد إبعادهم عن عذابها ، أو إبعادهم عنها بعد أن يكونوا قريبا منها ، وعن مجاهد ، أن ورود المؤمن النار مس الحمى جسده فى الدنيا لقوله صلى الله عليه وسلم : « الحمى من قيح جهنم » ولا دليل فى الحديث هذا على أن مس الحمى هو المراد فى قوله عز وجل : ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ . وأخرج ابن جرير عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل موعوك وأنا معه ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : « إن الله تعالى يقول : هى نارى أسلطها على عبدى المؤمن لتكون حظه من النار فى الآخرة ، » ولا دلالة فيه على عدم ورود المؤمن المحموم فى الدنيا النار فى الآخرة ، وغايته أن المؤمن يحفظ من نار الآخرة ، وكان عبدالله ابن رواحة يبكى ، ويقول : أخبرنى ربى أنى وارد ولم يخبرنى أنى صادر . ويقول بعض الصحابة لبعض : هل أخبرك ربك أنك وارد؟ فيقول : نعم ، فيقول هل أخبرك أنك صادر ، فيقول لا فيقول ففيم الضحك .

﴿ كان ﴾ ورودهم إياها ﴿ عَلى ربِّك ﴾ متعلق بمحذوف خبر كان ، والمنصوبان بعد خبران آخران ، أو متعلق بكان أو بقوله ﴿ حَتْماً ﴾ واجباً فيكون الخبر حتما ﴿ مَقْضياً ﴾ قضى بوقوعه قطعاً خبر آخر ، أو نعت لحتماً أو متعلق بمقضياً ، ولو كان مقضياً نعتاً للفاصلة ، بأن قدم متعلقة على منعوته ، أو يعلق بمقضيا إذا لم يكن نعتا ولا واجبا على الله ، والمعنى أن ذلك كأنه واجب بأن أوجبه الله على نفسه أو كأنه أوجبه أحد على الله سبحانه ، عن كل نقص لكن الكلام مجاز ، لا حقيق ، والجملة فى معنى القسم أو قوله : ﴿ وإن منكم ﴾ إلى ﴿ مقضيا ﴾ ومعنى القسم ، واليس قسما نحوياً ، ويدل على أنه قسم فى المعنى قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يموت المسلم ثلاث من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم » رواه البخارى ومسلم ، والترمذى والنسائى وابن ماجه ، عن أبى هريرة ، يعنى : وإن منكم إلا واردها ، كان على ربك حتما مقضياً « .

وقوله صلى الله عليه وسلم : » من حرس من وراء المسلمين فى سبيل الله متطوعاً لا يأخذه سلطان ثم ير النار بعينه إلا تحلة القسم « فإن الله تعالى يقول : ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ رواه أحمد والبخارى والطبرانى ، عن معاذ بن أنس ، وهذا الحديث يدل على أن المراد بورودها رؤيتها ، وفيه بيان أن القسم هو قوله : ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ فقط وهو قسم معنوى لا اصطلاحى كما مرَّ إلا أن عطف على جواب القسم الاصطلاحى ، وهو قوله : ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ فإنه معطوف على الجواب ، والمعطوف على الجواب جواب .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٢١