تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة مريم

الجزء مريم · صفحة ٠
[سورة مريم — آية 71]

﴿ وإِنْ مِنْكُم ﴾ ما واحد منكم ﴿ إلا وَاردُها ﴾ التفات من الغيبة الى الخطاب للتأكيد ، كما يدل له قراءة ابن عباس ، وإن منهم إلا واردها ، ويحتمل أن يكون استئنافاً خطاباً للناس كلهم ، وهو واضح لا لمن ذكر قبل خاصة فلا التفات ، وها فى واردها للقيامة عند ابن مسعود ، والصحيح أنه لجهنم ، والورود هنا المرور عليها بلا دخول ، كما رواه عبد بن حميد وابن الأنبارى ، والبيهقى عن الحسن البصرى ، وكذا روى عن قتادة والحضور عام للكافر والمؤمن أو نقول الورود الدخول ، أو نقول الخطاب للكفار كما يدل له قراءة ابن عباس رضى الله عنهما ، وأن منهم وأخرج عبد بن حميد عن عبيد بن عمير أن الورود الحضور ، والقرب كما فى قوله تعالى : ﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ وكما فسره إدريس لملك الموت فى قصته المذكورة آنفا ، واختار بعضهم أن الورود حضورهم جاثين حولها .

وأخرج الترمذى والطبرانى ، عن يعلى بن أمية ، عن النبى صلى الله عليه وسلم : « أنه تقول النار للمؤمن يوم القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهيبى » ، فنقول تقول ذلك عند مروره عليها ، وأخرج ابن أبى شيبة ، وعبد ابن حميد ، والحكيم عن خالد بن معدان ، إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا : ربنا ألم تعدنا أن نرد النار؟ قال : بلى ولكنكم مررتم عيها وهى خامدة ، فهذا مرور حولها إذا لم يقل مررتم فيها ، ولم تصح عندنا أحاديث دخول المسلمين فيها ، وقولها جز يا مؤمن الخ وأنها برد عليه ، وأن لها ضجة من برده ، ولا ينافى حضورهم حولها قوله تعالى : ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ لأن المراد إبعادهم عن عذابها ، أو إبعادهم عنها بعد أن يكونوا قريبا منها ، وعن مجاهد ، أن ورود المؤمن النار مس الحمى جسده فى الدنيا لقوله صلى الله عليه وسلم : « الحمى من قيح جهنم » ولا دليل فى الحديث هذا على أن مس الحمى هو المراد فى قوله عز وجل : ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ . وأخرج ابن جرير عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل موعوك وأنا معه ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : « إن الله تعالى يقول : هى نارى أسلطها على عبدى المؤمن لتكون حظه من النار فى الآخرة ، » ولا دلالة فيه على عدم ورود المؤمن المحموم فى الدنيا النار فى الآخرة ، وغايته أن المؤمن يحفظ من نار الآخرة ، وكان عبدالله ابن رواحة يبكى ، ويقول : أخبرنى ربى أنى وارد ولم يخبرنى أنى صادر . ويقول بعض الصحابة لبعض : هل أخبرك ربك أنك وارد؟ فيقول : نعم ، فيقول هل أخبرك أنك صادر ، فيقول لا فيقول ففيم الضحك .

﴿ كان ﴾ ورودهم إياها ﴿ عَلى ربِّك ﴾ متعلق بمحذوف خبر كان ، والمنصوبان بعد خبران آخران ، أو متعلق بكان أو بقوله ﴿ حَتْماً ﴾ واجباً فيكون الخبر حتما ﴿ مَقْضياً ﴾ قضى بوقوعه قطعاً خبر آخر ، أو نعت لحتماً أو متعلق بمقضياً ، ولو كان مقضياً نعتاً للفاصلة ، بأن قدم متعلقة على منعوته ، أو يعلق بمقضيا إذا لم يكن نعتا ولا واجبا على الله ، والمعنى أن ذلك كأنه واجب بأن أوجبه الله على نفسه أو كأنه أوجبه أحد على الله سبحانه ، عن كل نقص لكن الكلام مجاز ، لا حقيق ، والجملة فى معنى القسم أو قوله : ﴿ وإن منكم ﴾ إلى ﴿ مقضيا ﴾ ومعنى القسم ، واليس قسما نحوياً ، ويدل على أنه قسم فى المعنى قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يموت المسلم ثلاث من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم » رواه البخارى ومسلم ، والترمذى والنسائى وابن ماجه ، عن أبى هريرة ، يعنى : وإن منكم إلا واردها ، كان على ربك حتما مقضياً « .

وقوله صلى الله عليه وسلم : » من حرس من وراء المسلمين فى سبيل الله متطوعاً لا يأخذه سلطان ثم ير النار بعينه إلا تحلة القسم « فإن الله تعالى يقول : ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ رواه أحمد والبخارى والطبرانى ، عن معاذ بن أنس ، وهذا الحديث يدل على أن المراد بورودها رؤيتها ، وفيه بيان أن القسم هو قوله : ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ فقط وهو قسم معنوى لا اصطلاحى كما مرَّ إلا أن عطف على جواب القسم الاصطلاحى ، وهو قوله : ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ فإنه معطوف على الجواب ، والمعطوف على الجواب جواب .

٢٬٣٢١ / ٦٬٢٣٦