[سورة مريم — آية 75]
﴿ قُل ﴾ يا محمد للكفرة ﴿ من كان ﴾ بماله ودنياه ﴿ فى الضلالة ﴾ منكم ، أو من غيركم ممن يبتهج بالمال ﴿ فليَمْدد له الرَّحْمن مداً ﴾ فى ماله وعمره ، مع تمكنه فى الضلال ، أو لتمكنه فيه إخبار بصورة الأمر إشارة الى أن المد حكمة لقطع العذر كقوله تعالى : ﴿ أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ فيكون أبعد فى العذر ، كما أنه أطال له المدة أو حكمة للاستدراج كقوله تعالى : ﴿ إنما نملى لهم ليزدادوا إثماً ﴾ أى من عادته أن يمد له استدراجاً ، أو ذلك على طريق الدعاء لعدم بقاء عذر لهم مع البيان الكامل على طريقة ليضلوا عن سبيلك إذا حمل على الدعاء .
﴿ حتَّى إِذا رأوا ما يُوعَدُون ﴾ من أوعد بالهمزة المتعدية الى مفعول آخر محذوف رابط ، أى ما يوعدونه ، والواو أول ناب عن الفاعل ، ولا تجعل ما مصدرية ، لأن هذا المصدر يحتاج الى عنى ما الاسمية ، فيحمل الكلام عليه من أول والواو ، لمعنى من كما أن ضمير كان والهاء للفظها ﴿ إِمَّا العذابُ وإِمَّا السَّاعة ﴾ بدل من ما أو من الرابط ، أو من المقدر بواسطة العاطف فى الثانى ، وهو الواو وذلك لمنع الخلو ، لأن العذاب عذاب الدنيا باستيلاء المؤمنين بالقتل ونحوه ، أو غير ذلك كأنه قيل : إما عذاب الدنيا وإما عذاب الساعة ، فحذف المضاف لا لمنع الجمع ، لجواز أن يعذبوا دنيا وأخرى ، والساعة يَوم القيامة ، ولم يذكر عذاب القبر إيذاناً بأنه بالنسنة الى عذاب يوم القيامة ، كلا عذاب ، أو لأن الساعة بمعنى ذهابهم الى الآخرة ، فذلك من حين الموت الى مالا نهاية له إلا البرزخ ، أو لاعتبار القبر من الدنيا ، لأنه فى الدنيا ، وقيل قيام الساعة ، وليست حتى للغاية ، بل للتفريع ، وإن جعلت للغاية جارة كما قال ابن مالك ، أو نزل التفريع منزلة الغاية كان من تصل الغاية بالمغيا لوجود الفصل ، إلا أن الدنيا لسرعة انقضائها كلا فاصل ، فذلك كأحد أوجه فى قوله تعالى : « أغرقوا فأدخلوا نارا » .
﴿ فسيعلمون ﴾ جواب إذا ، وعلى قول ابن مالك لا جواب لها ، لأنها خارجة عنده عن الشرط والظرفية ، فالجملة تفريغ على مدخولها ﴿ مَنْ ﴾ مفعول بعلمون بمعنى يعرفون وهو موصول أو استفهامية مبتدأ لما بعده ، أو خبر له ، علقت يعلم عن مفعول بمعنى يعرف أو عن مفعوليه إن بقى على ظاهره ﴿ هُو ﴾ ﴿ مِن الفريقين شرٌّ مكاناً ﴾ عبر هنا بالمكان لا بالمقام مبالغة فى اظهار حالهم ﴿ وأضعف جُنْداً ﴾ أنصاراً يتبين لهم عكس ما يزعمون أنهم شر مكاناً ، وأضعف جنداً ، والمؤمنين خير مكاناً وأقوى جنداً ، والاسمان خارجان عن التفضيل ، لأنه لا شر للمؤمنين ولا ضعف البتة ولا جند البتة للكفرة يوم القيامة ، قال الله عز وجل :
﴿ ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً ﴾ وذلك رد عليهم فى دعواهم إن لهم إعانة مما يعبدونه من الأوثان أو غيرها ، وقد يعتبر أن للكفار يوم القيامة جنداً ضعيفاً يزعمونه فى الدنيا أنه جند ، أو يصفون أيضاً فى الآخرة أنه جند ينفع وهو أذل من ذلك ، وهو ما يعبدون ويكون هو ضمير فصل ، لأنه وقع بين معرفتين لأن شراً فى معنى أل أى من هو الأشر .
وأجاز بعض أن يكون قوله : ﴿ حتى إذا رأوا ﴾ الخ راجعاً الى قولهم ، أى الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً ، وما بينهما معترض للإنكار عليهم ، أى يستمرون على قولهم ، أى الفريقين الخ ، حتى إذا عاينوا العذاب أو الساعة ، وهو بعيد لكثرة الفصل فى التلاوة ، وللفصل بموتهم عن يوم القيامة فى أحد الأوجه .