سورة الأنبياء · الآية ٣٠ من ١١٢

‹ السورة السابقة
أَوَلَمۡ یَرَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقࣰا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّۚ أَفَلَا یُؤۡمِنُونَ٣٠
الرسم الإملائيّ

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ

الجزء ١٧الربع ١٣٠ صفحة ٣٢٤

تفسيرها

[سورة الأنبياء — آية 30]

﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ ذات رتق ، أو مرتوقتين : وهو الضم والالتحام ، أي: كانتا شيئا واحدا ، ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ بالتنويع والتمييز ، وكانت السماوات واحدة ، ففتقت بالتحريكات المختلفة ، حتى صارت أفلاكا ، وكانت الأرضون واحدة ، فجعلت باختلاف كيفياتها وأحوالها طبقات أو أقاليم . وقيل: كانتا بحيث لا فرجة بينهما ، ففرج ، وقيل: ﴿ كَانَتَا رَتْقًا﴾: لا تمطر ولا تنبت ، ﴿ فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ بالمطر والنبات ، فيكون المراد بالسماوات : سماء الدنيا ، جمعها باعتبار الآفاق ، أو السماوات بأسرها ، على أن مدخلا ما في الأمطار . والكفرة وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون من العلم به نظرا ، فإن الفتق عارض مفتقر إل مؤثر واجب ابتداء ، أو استفسارا من العلماء ، أو مطالعة الكتب.

﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وخلقنا من الماء كل حيوان ، كقوله: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء ﴾ ، وذلك لأنه أعظم موادة ، ولفرط احتياجه له وانتفاعه به بعينه ، أو صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا يجيء دونه ، ﴿ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ على ظهور الآيات.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥١٣

[سورة الأنبياء — آية 30]

قوله عز وجل : ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الذِينَ كَفَرُوا ﴾ هذا على الخبر في تفسير الحسن ﴿ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ أي : كانتا ملتزقتين إحداهما على الأخرى في قول الحسن ، فوضع الأرض ورفع السماء .

وقال الكلبي : إن السماء كانت رتقاً لا ينزل منها ماء ففتقها الله بالماء وفتق الأرض بالنبات .

وقال بعضهم : كانتا جميعاً ففصل الله بينهما بهذا الهواء فجعله بينهن .

وقال مجاهد : كن مطبقات ففتقهن ، أحسبه قال بالمطر . وقال مجاهد : ولم تكن السماء والأرض متماسّتين .

قوله عز وجل : ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ المَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني المشركين . وكل شيء حيّ فإنما خلق من الماء .

ذكروا عن أبي هريرة قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، إذا رأيتك طابت نفسي ، وقرّت عيني ، فأنبئني عن كل شيء ، فقال : كل شيء حيّ خلق من الماء . فقلت : أنبئني بعمل إذا قمت به دخلت الجنة . قال : أفش السلام ، وأطب الكلام ، وصل الأرحام ، وقم بالليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥١٣

[سورة الأنبياء — آية 30]

﴿ أو لَمْ ير الذين كَفَروا ﴾ تجهيل لهم وتوبيخ على عبادة ما لا يملك ولا نفعاً ، ولا يضر ولا ينفع ، وترك الإيمان والإخلاص بمالك كل شىء من أجسام وأعراض ، ومنافع ومضار ، وخالق ذلك ، والتقدير ، ألم يتفكر الذين كفروا ولم يروا ، ولما حذف ذلك أظهر الذين كفروا ، والرؤية رؤية علم ، والمراد أن يخبرهم الله بالرتق والفتق ، فيدركوهما لا الأمر باستعمال النظر استعمالا يدركونهما به ، لأنه لا يدركونهما به ، ولو كان ممكناً ، أو أراد ألم يعلموا من أهل الكتاب ﴿ أنَّ السموات والأرض كانتا رتقاً ﴾ ثنى لاعتبار أن السموات كمفرد بمعنى فريق أو طائفة ، كقوله عزوجل : ﴿ السموات والأرض وما بينهما ﴾ وقوله عز وجل : ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض ﴾ الخ وقول الشاعر :

إن المنية والحتوف كلاهما … دون المحارم يرقبان سوادى

وأفرد رتقاً لأنه فى الأصل مصدر بمعنى الضم ، فيأول مرتوقتين بمضمومتين ، أو ذاتى رتق ، أو مبالغة كأنهما نفس الضم ، أو كانتا شيئاً واحداً مضموماً .

﴿ ففتقناهما ﴾ الى سبع سموات ، وجعلناهن حيث كن الآن ، والى سبع أرضين جعناهن حيث هن الآن بين كل من ذلك وآخرى خمسمائة عام ، سمى كل ما يكون سماء أو أرضا من ذلك المجموع ، والمضموم سماء وأرضاً على مجاز الأول ، والممكن قبل وجوده متميز فى نفس الأمر ، لأنه متصور ، ولا يمكن تصور الشىء إلا بتمييزه غن غيره ، وإلا لم يكن بتصوره أولى من غيره ، ولأن بعض المعدومات قد يكون مراداً دون بعض ، ولولا التمييز بينهما لما عقل ، لأن القصد لإيجاد غير المتعين ممتنع ، لأن ما ليس متعيناً لا يتميز القصد اليه ، عن القصد الى غيره ، وعن الحسن خلق الله الأرض كالقهر فى موضع بيت المقدس ، عليها دخان ملتصق به ، فصيَّره سموات ، والقهر أرضين والفتق بقدرته تعالى .

وعن كعب الأحبار : بريح توسطها ، أو خلقهن كالواح متطابقة وسمى تماسهما رتقاً ، وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن السموات والأرضين فى محالهن من حين خلقهن الله ، وأن الرتق هو عدم نزول الماء ، ونبت الأرض ، والفتق إنزال الماء وإنبات الأرض بعد أن خلق الله للأرض من يسكنها ، وللسموات مدخل فى نزول الماء بقدرة الله عز وجل ، وشهر أن الماء من السماء الدنيا ، وشهر أنه من السحاب .

﴿ وجَعَلنا ﴾ خلقنا أو صيرنا ﴿ من الماء كُل شَىءٍ حىّ ﴾ عطف على فتقنا لا على أن السموات الخ ، لأن يرى لا يتسلط على جعلنا بلا حرف مصدر ، ولا معلق كالاستفهام ، والمعنى خلقنا كل حيوان من الماء كقوله : ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ ومن للابتداء ، ولو قدرنا ثابتاً من الماء ، ومعنى كونهمن الماء أن الإنسان من طين ، الطين ماء تراب ، وهو والدواب من نبات وثمار ، من تولدة من الماء ، والماء أعظم ما يحتاج اليه أيضاً ، وخصت الملائكة والجن ، فايست من الماء ويجوز أن يكون المعنى لا ينفك عن الماء ، فتدخل الجن لأنها تأكل وتشرب ، ويجوز أن تكون من للتجريد مبالغة فى شدة الاحتياج الى الماء ، كقولك : رأيت من زيد البحر والأسد ، فالمعنى جرد من الماء الحى ، أو الماء النطفة ، فلا تدخل الملائكة أيضاً ، ولا ما يتولد بدونها ﴿ أفَلا يُؤمنُون ﴾ أيعلمون ذلك ، فد يؤمنون ، أنكر لياقة انتقاء إيمانهم مع مشاهدتهم موجبة .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥١٣