سورة الأنبياء
الجزء الأنبياء · صفحة ٠﴿ أو لَمْ ير الذين كَفَروا ﴾ تجهيل لهم وتوبيخ على عبادة ما لا يملك ولا نفعاً ، ولا يضر ولا ينفع ، وترك الإيمان والإخلاص بمالك كل شىء من أجسام وأعراض ، ومنافع ومضار ، وخالق ذلك ، والتقدير ، ألم يتفكر الذين كفروا ولم يروا ، ولما حذف ذلك أظهر الذين كفروا ، والرؤية رؤية علم ، والمراد أن يخبرهم الله بالرتق والفتق ، فيدركوهما لا الأمر باستعمال النظر استعمالا يدركونهما به ، لأنه لا يدركونهما به ، ولو كان ممكناً ، أو أراد ألم يعلموا من أهل الكتاب ﴿ أنَّ السموات والأرض كانتا رتقاً ﴾ ثنى لاعتبار أن السموات كمفرد بمعنى فريق أو طائفة ، كقوله عزوجل : ﴿ السموات والأرض وما بينهما ﴾ وقوله عز وجل : ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض ﴾ الخ وقول الشاعر :
إن المنية والحتوف كلاهما … دون المحارم يرقبان سوادى
وأفرد رتقاً لأنه فى الأصل مصدر بمعنى الضم ، فيأول مرتوقتين بمضمومتين ، أو ذاتى رتق ، أو مبالغة كأنهما نفس الضم ، أو كانتا شيئاً واحداً مضموماً .
﴿ ففتقناهما ﴾ الى سبع سموات ، وجعلناهن حيث كن الآن ، والى سبع أرضين جعناهن حيث هن الآن بين كل من ذلك وآخرى خمسمائة عام ، سمى كل ما يكون سماء أو أرضا من ذلك المجموع ، والمضموم سماء وأرضاً على مجاز الأول ، والممكن قبل وجوده متميز فى نفس الأمر ، لأنه متصور ، ولا يمكن تصور الشىء إلا بتمييزه غن غيره ، وإلا لم يكن بتصوره أولى من غيره ، ولأن بعض المعدومات قد يكون مراداً دون بعض ، ولولا التمييز بينهما لما عقل ، لأن القصد لإيجاد غير المتعين ممتنع ، لأن ما ليس متعيناً لا يتميز القصد اليه ، عن القصد الى غيره ، وعن الحسن خلق الله الأرض كالقهر فى موضع بيت المقدس ، عليها دخان ملتصق به ، فصيَّره سموات ، والقهر أرضين والفتق بقدرته تعالى .
وعن كعب الأحبار : بريح توسطها ، أو خلقهن كالواح متطابقة وسمى تماسهما رتقاً ، وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن السموات والأرضين فى محالهن من حين خلقهن الله ، وأن الرتق هو عدم نزول الماء ، ونبت الأرض ، والفتق إنزال الماء وإنبات الأرض بعد أن خلق الله للأرض من يسكنها ، وللسموات مدخل فى نزول الماء بقدرة الله عز وجل ، وشهر أن الماء من السماء الدنيا ، وشهر أنه من السحاب .
﴿ وجَعَلنا ﴾ خلقنا أو صيرنا ﴿ من الماء كُل شَىءٍ حىّ ﴾ عطف على فتقنا لا على أن السموات الخ ، لأن يرى لا يتسلط على جعلنا بلا حرف مصدر ، ولا معلق كالاستفهام ، والمعنى خلقنا كل حيوان من الماء كقوله : ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ ومن للابتداء ، ولو قدرنا ثابتاً من الماء ، ومعنى كونهمن الماء أن الإنسان من طين ، الطين ماء تراب ، وهو والدواب من نبات وثمار ، من تولدة من الماء ، والماء أعظم ما يحتاج اليه أيضاً ، وخصت الملائكة والجن ، فايست من الماء ويجوز أن يكون المعنى لا ينفك عن الماء ، فتدخل الجن لأنها تأكل وتشرب ، ويجوز أن تكون من للتجريد مبالغة فى شدة الاحتياج الى الماء ، كقولك : رأيت من زيد البحر والأسد ، فالمعنى جرد من الماء الحى ، أو الماء النطفة ، فلا تدخل الملائكة أيضاً ، ولا ما يتولد بدونها ﴿ أفَلا يُؤمنُون ﴾ أيعلمون ذلك ، فد يؤمنون ، أنكر لياقة انتقاء إيمانهم مع مشاهدتهم موجبة .