وَجَٰهِدُوا۟ فِی ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَیۡكُمۡ فِی ٱلدِّینِ مِنۡ حَرَجࣲۚ مِّلَّةَ أَبِیكُمۡ إِبۡرَٰهِیمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ مِن قَبۡلُ وَفِی هَٰذَا لِیَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِیدًا عَلَیۡكُمۡ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِیرُ٧٨
الرسم الإملائيّ
وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
الجزء ١٧الربع ١٣٦ صفحة ٣٤١
تفسيرها
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ في صلاتكم ، ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ بسائر ما تعبدكم به ، ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ وتقربوا إليه بنوافل الطاعات ، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لكي ﴿تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ ﴾ لله ولدينه أعداء دينه الظاهرة: كأهل الزيغ ، والباطنة: كالهوى والنفس . وعنه عليه الصلاة والسلام أنه رجع من غزوة من المغازي فقال:" رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " ، فسئل عن الجهاد الأكبر فقال:" جهاد النفس" ، أو نحو هذا من الكلام. ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أي: جهادا فيه حقا خالصا لوجهه ، ببذل الوسع ، والأنفس ، والأموال ، والمهج ، وأخذ الحذر عن المخالفة والفتور ، وهو استفراغ الطاقة ، ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ اختاركم لدينه ولنصرته ، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: ضيق ، بتكليف ما لا يستطاع . ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: وسع دينكم توسع ملة أبيكم ، وإنما جعله أباهم ، لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو كالأب لأمته ، من حيث أنه سبب لحياتهم الأبدية ، ووجودهم لعى الوجه المعتد به في الآخرة. ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ﴾ من قبل القرآن في الكتب المتقدمة ، ﴿وَفِي هَذَا﴾ وفي القرآن ، ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ متعلق بـ"سماكم" ، ﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ بطاعة من أطاع ، وعصيان من عصى ، ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ من حيث تنزلون منهم كلا منزلته ، وتوفونه حقه وقسمه ، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ على الوجه المأمور به ، لما خصكم بهذا الفضل والشرف ، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ واتقوا به في مجامع أموركم ، ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ ناصركم ومتولي أموركم ، ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ هو ، إذ لا مثل له في الولاية والنصرة ، بل لا مولى ولا نصير سواه في الحقيقة.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٧٣
قوله : ﴿ وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ وهو مثل قوله : ﴿ اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ [ آل عمران : 102 ] . وهما منسوختان؛ نسختهما الآية التي في التغابن : ﴿ فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [ التغابن : 16 ] .
قوله : ﴿ هُوَ اجْتَبَاكُمْ ﴾ أي : هو اصطفاكم . ويقال : هو اختاركم لدينه ، وهو واحد .
قوله : ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ أي : من ضيق .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خير دينكم أيسره .
وقال [ قتادة ] : إن كتاب الله قد جاءكم بذلك ورب الكعبة : ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ﴾ [ البقرة : 185 ] .
ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده ما اجتمع أمران في الإِسلام إلا كان أحبُّهما إلى الله أيسرَهما . »
ذكروا عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : ما عرض لرسول الله أمران إلا أخذ بأيسرهما ما لم يكن إثماً ، وكان أبعد الناس من المآثم .
قوله : ﴿ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ ﴾ أي : الله هو سمّاكم المسلمين ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أي : من قبل هذا القرآن ، أي : في الكتب الأولى وفي الذكر . ﴿ وَفِي هَذَا ﴾ القرآن .
قوله : ﴿ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ ﴾ أي : بأنه قد بلّغ ﴿ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ أي : على الأمم بأن الرسل قد بلغت قومها .
ذكروا أن كعباً قال : إن الله أعطى هذه الأمة ثلاثاً لم يعطهن قبلهم إلا نبياً مرسلاً؛ كان يبعث النبي فيقول : أنت شاهدي على أمتك ، وإن الله جعلكم شهداء على الناس . ويبعث النبي فيقول : ادعني أستجب لك . وقال : ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [ غافر : 60 ] . ويبعث النبي فيقول : ليس عليك في الدين من حرج ، وقال الله : ﴿ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ .
قوله : ﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ ﴾ إنهما فريضتان واجبتان؛ أما الصلاة فالصلوات الخمس يقيمونها على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها . وأما الزكاة فقد فسّرناها في أحاديث الزكاة على ما سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها .
قوله : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِالله ﴾ أي : بدين الله ، فهو اعتصامكم بالله في قول الحسن . وقال الكلبي : بتوحيد الله وبفرائضه ، وهو واحد .
قوله : ﴿ هُوَ مَوْلاَكُمْ ﴾ أي : وليّكم ﴿ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ وعدهم النصر على أعدائهم من المشركين .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٧٣
﴿ وجاهدوا فى الله ﴾ جاهدوا الكفار لله ، أو جاهدوا فى سبيل الله ، والجهاد استفراغ لجهد أى الطاقة فى شىء ، والمراد جهاد المشركين ، ويقاس عليه المبتدعة والفسقة ، بحسب ما يكون ، وجهاد الشيطان والنفس ، قال جابر بن عبد الله : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة فقال : « قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر » قيل : ما الجهاد الأكبر؟ قال : « مجاهدة الهوى » وفى سنده ضعف يجبره صحة المعنى ، والأحاديث الأخر فى هذا المعنى ، ولا مانع من تفسير الآية بذلك كله ، وقرأ الحسن الآية فقال : إن رجل ليجاهد فى الله وما ضرب بسيف .
﴿ حقَّ جهادِهِ ﴾ أى الجهاد الذى ينسب الله ، ويفعل لوجهه بأن أمر به ، ويعبد به وهو الذى بإخلاص وعدم تقصير ، كما تقول فى التمر المتَّبلس لله : تمر الله ، باضافته لله ، ولا حاجة الى تقدير جهاداً فيه حقاً ، ومن قال : المراد أطيعوا الله جداً قال نسخ بقوله تعالى : ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ وأما أن تفسر بلا تعصوا البتة ، فلا يقبل النسخ ، لأنه يفضى الى إباحة بعض المعصية .
قال عمر لعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما : ألسنا كنا نقرأ ﴿ وجاهدوا فىلله حق جهاده ﴾ فى آخر الزمان كما جاهدتم فى أوله فقال : بلى ، قال : متى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال : إذا كان بنوا أمية الأمراء ، وبنو المغيرة الوزراء ، وهذا الزيادة تفسير لا تلاوة ، ولو كانت ونسخت تلاوتها لشهر .
﴿ هُو اجتباكم ﴾ اختاركم لعبادته وجهاد عدوه ، ومجاهدة أنفسكم بترك ما تدعو اليه مما لا يرضى الله به ﴿ وما جَعَل عليْكُم فى الدين من حَرجٍ ﴾ تكليف ما لا تطيقونه ، أو يشتد عليكم جداً ، وذلك إما ابتداء أو تسهيل بعد تكليف ، قوله صلى الله عليه وسلم : « إن أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم » ويل ذلك جعله التوبة لنا كلما أذنبنا ، والقصاص والدية والأرش والكفارة واستشكل بعض إدخال التوبة فى ذلك .
﴿ ملة أبيكُم إبراهيمَ ﴾ منصوب على الإغرء ، أى الزموا ملة أبيكم إبراهيم أو مفعول بأعنى أى أعنى بالدين ملة أبيكم قيل أو مفعول مطلق من معنى نفى الحرج ، لأن معناه التوسعة على حذف مضاف ، أى وسع عليكم توسعة ملة أبيكم ، وهذا عجيب ، كما أجيز أن يكون ابراهيم لاتبعوا محذوفاً ، وإنما هو بدل أو بيان من أبيكم ، والمراد بالملة الأصول ، وما لم ينسخ من الفروع ، وسمى أباً لأن أكثر العرب أو أشرفهم وهم قريش من ذريته ، ولأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو كالأب لأمته ، إذ هو سبب لمنافع الدنيا والدين ، والحياة الطيبة فى الآخرة ، بل ابراهيم نفسه أيضا كذلك ، ولو كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم فى ذلك .
﴿ هُو ﴾ أى الله كما قرأ أبىّ : ﴿ سمَّاكم المسْلينَ من قَبلُ ﴾ قبل نزول القرآن فى الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل ، ﴿ وفى هذا ﴾ أى فى هذا الكتاب وهو القرآن ، وهذا مما يقوى أن الضمير لله سبحانه ، وقيل الضمير لابراهيم لقرب ذكره ، وذلك أنه قال : ﴿ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ﴾ وكلامه هذا سبب لتسميته فى هذا الكتاب القرآن مسلمين لدخول أكثر العرب فى الذرية ، فهو مسم لهم فى القرآن مجازاً ، ففى قوله : « سماكم » أى بين الحقيقة والمجاز بكلمة واحدة ، وقيل فى هذا خبر لمحذوف ، أى فى هذا بيان تسميته لكم مسلمين ، إذ ذكر فى القرآن تسميته فى هذا مسلمين .
﴿ ليَكون الرَّسُولُ ﴾ متعلق بسماكم واللام للعاقبة ، ويجوز أن تكون للتعليل ، لأنه صلى الله عليه وسلم مسلم والأسلام سبب لقبول الشهادة ﴿ شهيداً ﴾ يوم القيامة ﴿ عليْكُم أنه بلَّغكم ﴾ قيل على بمعنى اللام وأنه يشهد لهم بالخير ، ويزكيهم وفى ذلك قبول شهادته لنفسه يوم القيامة ، وذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم ، وأما فى الدنيا فقد احتاج لمن يشهدان بفرسه ، حتى شهد له خزيمة فأذعن خصمها بشهادته ، ولم يقبل الله عن الأنبياء على أممهم أنكروا حتى شهدت لهم هذه الأمة كما قال عز وجل :
﴿ وتكُونُوا شُهداء عَلَى الناس ﴾ الأمم السابقة فيقولون : أنتم بعدنا كيف تشهدون علينا ، فيقولون : أخبر الله نبينا بكفركم فى القرآن الذى أنزل عليه ، وذلك فى الأقوال المهلكة ، لا فى الأفراد ، وإن كان على العموم فقد يجعل الله لهم علامات كما تجعل لأمته صلى الله عليه وسلم له .
﴿ فأقيمُوا الصَّلاة وآتُوا الزكاة ﴾ شكراً لذلك ، ولأن كونكم شهداء يقتضى أن تكونوا عدولا ، وفى ذلك تعظيم شأن الصلاة ، والزكاة ، ولا بد من غيرهما تبعاً لهما ﴿ واعْتصموا بالله ﴾ فى أمُوركم كلها الدنيوية والدينية ﴿ هُو مولاكم ﴾ ناصركم ، ومتولى أموركم ، والسيد لا يخذل عبده ﴿ فنعْم المَوْلى ﴾ هو ﴿ ونعم النَّصير ﴾ هو لكمال ولايته ونصره .
أسأل الله أن يجعلنا ممن اعتصم به فتولاه ونصره .
اللهم زدنا ولا تنقصنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وأعطنا ولا تحرمنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضا وارض عنَّا .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٧٣