تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الحج

الجزء الحج · صفحة ٠
[سورة الحج — آية 78]

﴿ وجاهدوا فى الله ﴾ جاهدوا الكفار لله ، أو جاهدوا فى سبيل الله ، والجهاد استفراغ لجهد أى الطاقة فى شىء ، والمراد جهاد المشركين ، ويقاس عليه المبتدعة والفسقة ، بحسب ما يكون ، وجهاد الشيطان والنفس ، قال جابر بن عبد الله : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة فقال : « قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر » قيل : ما الجهاد الأكبر؟ قال : « مجاهدة الهوى » وفى سنده ضعف يجبره صحة المعنى ، والأحاديث الأخر فى هذا المعنى ، ولا مانع من تفسير الآية بذلك كله ، وقرأ الحسن الآية فقال : إن رجل ليجاهد فى الله وما ضرب بسيف .

﴿ حقَّ جهادِهِ ﴾ أى الجهاد الذى ينسب الله ، ويفعل لوجهه بأن أمر به ، ويعبد به وهو الذى بإخلاص وعدم تقصير ، كما تقول فى التمر المتَّبلس لله : تمر الله ، باضافته لله ، ولا حاجة الى تقدير جهاداً فيه حقاً ، ومن قال : المراد أطيعوا الله جداً قال نسخ بقوله تعالى : ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ وأما أن تفسر بلا تعصوا البتة ، فلا يقبل النسخ ، لأنه يفضى الى إباحة بعض المعصية .

قال عمر لعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما : ألسنا كنا نقرأ ﴿ وجاهدوا فىلله حق جهاده ﴾ فى آخر الزمان كما جاهدتم فى أوله فقال : بلى ، قال : متى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال : إذا كان بنوا أمية الأمراء ، وبنو المغيرة الوزراء ، وهذا الزيادة تفسير لا تلاوة ، ولو كانت ونسخت تلاوتها لشهر .

﴿ هُو اجتباكم ﴾ اختاركم لعبادته وجهاد عدوه ، ومجاهدة أنفسكم بترك ما تدعو اليه مما لا يرضى الله به ﴿ وما جَعَل عليْكُم فى الدين من حَرجٍ ﴾ تكليف ما لا تطيقونه ، أو يشتد عليكم جداً ، وذلك إما ابتداء أو تسهيل بعد تكليف ، قوله صلى الله عليه وسلم : « إن أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم » ويل ذلك جعله التوبة لنا كلما أذنبنا ، والقصاص والدية والأرش والكفارة واستشكل بعض إدخال التوبة فى ذلك .

﴿ ملة أبيكُم إبراهيمَ ﴾ منصوب على الإغرء ، أى الزموا ملة أبيكم إبراهيم أو مفعول بأعنى أى أعنى بالدين ملة أبيكم قيل أو مفعول مطلق من معنى نفى الحرج ، لأن معناه التوسعة على حذف مضاف ، أى وسع عليكم توسعة ملة أبيكم ، وهذا عجيب ، كما أجيز أن يكون ابراهيم لاتبعوا محذوفاً ، وإنما هو بدل أو بيان من أبيكم ، والمراد بالملة الأصول ، وما لم ينسخ من الفروع ، وسمى أباً لأن أكثر العرب أو أشرفهم وهم قريش من ذريته ، ولأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو كالأب لأمته ، إذ هو سبب لمنافع الدنيا والدين ، والحياة الطيبة فى الآخرة ، بل ابراهيم نفسه أيضا كذلك ، ولو كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم فى ذلك .

﴿ هُو ﴾ أى الله كما قرأ أبىّ : ﴿ سمَّاكم المسْلينَ من قَبلُ ﴾ قبل نزول القرآن فى الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل ، ﴿ وفى هذا ﴾ أى فى هذا الكتاب وهو القرآن ، وهذا مما يقوى أن الضمير لله سبحانه ، وقيل الضمير لابراهيم لقرب ذكره ، وذلك أنه قال : ﴿ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ﴾ وكلامه هذا سبب لتسميته فى هذا الكتاب القرآن مسلمين لدخول أكثر العرب فى الذرية ، فهو مسم لهم فى القرآن مجازاً ، ففى قوله : « سماكم » أى بين الحقيقة والمجاز بكلمة واحدة ، وقيل فى هذا خبر لمحذوف ، أى فى هذا بيان تسميته لكم مسلمين ، إذ ذكر فى القرآن تسميته فى هذا مسلمين .

﴿ ليَكون الرَّسُولُ ﴾ متعلق بسماكم واللام للعاقبة ، ويجوز أن تكون للتعليل ، لأنه صلى الله عليه وسلم مسلم والأسلام سبب لقبول الشهادة ﴿ شهيداً ﴾ يوم القيامة ﴿ عليْكُم أنه بلَّغكم ﴾ قيل على بمعنى اللام وأنه يشهد لهم بالخير ، ويزكيهم وفى ذلك قبول شهادته لنفسه يوم القيامة ، وذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم ، وأما فى الدنيا فقد احتاج لمن يشهدان بفرسه ، حتى شهد له خزيمة فأذعن خصمها بشهادته ، ولم يقبل الله عن الأنبياء على أممهم أنكروا حتى شهدت لهم هذه الأمة كما قال عز وجل :

﴿ وتكُونُوا شُهداء عَلَى الناس ﴾ الأمم السابقة فيقولون : أنتم بعدنا كيف تشهدون علينا ، فيقولون : أخبر الله نبينا بكفركم فى القرآن الذى أنزل عليه ، وذلك فى الأقوال المهلكة ، لا فى الأفراد ، وإن كان على العموم فقد يجعل الله لهم علامات كما تجعل لأمته صلى الله عليه وسلم له .

﴿ فأقيمُوا الصَّلاة وآتُوا الزكاة ﴾ شكراً لذلك ، ولأن كونكم شهداء يقتضى أن تكونوا عدولا ، وفى ذلك تعظيم شأن الصلاة ، والزكاة ، ولا بد من غيرهما تبعاً لهما ﴿ واعْتصموا بالله ﴾ فى أمُوركم كلها الدنيوية والدينية ﴿ هُو مولاكم ﴾ ناصركم ، ومتولى أموركم ، والسيد لا يخذل عبده ﴿ فنعْم المَوْلى ﴾ هو ﴿ ونعم النَّصير ﴾ هو لكمال ولايته ونصره .

أسأل الله أن يجعلنا ممن اعتصم به فتولاه ونصره .

اللهم زدنا ولا تنقصنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وأعطنا ولا تحرمنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضا وارض عنَّا .

٢٬٦٧٣ / ٦٬٢٣٦