سورة آل عمران · الآية ١١٨ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةࣰ مِّن دُونِكُمۡ لَا یَأۡلُونَكُمۡ خَبَالࣰا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَاۤءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِی صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَیَّنَّا لَكُمُ ٱلۡءَایَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ١١٨
الرسم الإملائيّ

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ

الجزء ٤الربع ٢٦ صفحة ٦٥

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 118]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً ﴾ بطانة الرجل : خصيصته وصفيه ، شبه ببطانة الثوب ، كما يقال : فلان شعاري ، وفي الحديث << الأنصار شعار ، والناس دثار >> . ﴿ مِّن دُونِكُمْ ﴾ من دون أبناء جنسكم وهم المؤمنون ؛ وكل من اتخذ من دونه بطانة فسوف تنكشف له عداوته منه ، إذا خالفه فيما لا يهواه ، ولو بعد حين ، تصديقا لكتاب الله ، ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ لا يُقصرون في فساد دينكم ، والخبال : الفساد . ﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ ﴾ أي : تمنوَّا أن يضُّروكم في دينكم أشد الضرر وأبلغه . ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء ﴾ أي : ظهرت أمارة العداوة ﴿ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم ، أن ينفلت من أنفسهم ما يُعلم به بغضهم للمسلمين ، مع التفرُّس لما يقتضيه مضمون كلامهم ، تصريحا وتلويحا لأن " كل إناء بما فيه يرشح " والنفس مجبولة على النطق بما في ضميرها . ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ ﴾ من البغض لكم ﴿ أَكْبَرُ ﴾ مما بدا . ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ ﴾ الدالَّة على وجوب الإخلاص في الدين ، وموالاة أولياء الله ومعاداة أعداء الله ، والدلالة على صفة أعدائكم . ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ما بيَّن لكم بالتفكُّر والتدبُّر .

افتحه في القارئ · صفحة ٤١١

[سورة آل عمران — آية 118]

قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ ﴾ [ أي من غير المسلمين ] ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ [ أي : شراً ] وهي مثل قوله : ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ﴾ [ التوبة : 16 ] ، في تفسير الحسن .

وقال الحسن : نهاهم الله أن يتولوا المنافقين ، وقال مجاهد : المنافقين من أهل المدينة . ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾ أي : وَدُّوا مَا ضَاقَ بكم ، كقوله : ﴿ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾ [ آل عمران : 120 ] .

قال : ﴿ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ قال : قد ظهرت البغضاء من أفواههم لبغضهم الإِسلام ورسول الله والمؤمنين . ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ أي في البغض والعداوة ، ولم يظهروا العداوة ، أسرّوها فيما بينهم ، فأخبر الله بذلك رسوله .

وقال بعضهم : ﴿ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ ، أي إلى إخوانهم من الكفار ، من غشِّهم الإِسلامَ وأهلَه وبغضِهم إياه : ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ ، أي ما تكنّ صدورهم من العداوة والبغض أكبر ، أي : أعظم مما أبدوا .

قال : ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

افتحه في القارئ · صفحة ٤١١

[سورة آل عمران — آية 118]

﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتْخِذُوا بِطَانَةً ﴾ أصفياء تطلعونهم على سركم ، وبطانة الرجل من يفشى إليه سره ثقة به ، وهو مفرد يستعمل فى الواحد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث ، مستعار من بطانة الثوب والفراش ، بمعنى الجانب الباطن منه ﴿ مِن دُونِكُمْ ﴾ معشر المسلمين ، مفعول ثان إن تعدى لاثنين ، وإلا تعلق به ، ومن للابتداء ﴿ لا َيَْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ لا يقصرون لكم فى الفساد ، والألو فى الشىء التقصير فيه ، ألا يألوا ألوا قصَّر ، وتعدى لاثنين خبال ، نزلت فى من يوالى من المؤمنين والمنافقين اليهود ، لنحو قرابة أو صداقة من الجاهلية ، ورضاع وجوار ، أو يوالى المشركين كذلك ، ومن يوالى المنافقين لنحو ذلك ، ومعنى قول أبى حيان ، إنه تمييز محول عن المفعول به مع أنه لازم ، أنه محول عن المفعول به الذى بواسطة الجار ، أى لا يقصرون لكم خبالا ﴿ وَدُّوا ﴾ تمنوا ﴿ مَا عَنِتُّمْ ﴾ عنتكم أى مشقتكم ، لا يقصرون فى فساد دينكم ودنياكم ، فإن هجزوا عن التأثير فحب ذلك وتمنيه غير زائل عن قلوبهم ﴿ قَدْ بَدَتِ ﴾ ظهرت لكم ، وقيل ، فيما بينهم يظهرون عداوة المسلمين ، والصحيح الأول ﴿ البَغْضَآءُ ﴾ العداوة ﴿ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ ظهرت علامة العداوة فى كلامهم الخارج من أفواههم كالغيبة والبهت ﴿ وَما تُخْفِى صُدُرُهُمْ ﴾ من البغضاء ﴿ أَكْبَرُ ﴾ مما بدا على ألسنتهم ، وذلك ، أن من شأنهم أن يضمروا ما فى صدورهم من بغض المرمنين ، ويتحرزوا على ظهوره ، ومع ذلك ينفلت عن ضرورة فهم ما يعلم به ، فما يظهر أقل مما خفى فى قلوبهم ، المفرد فم ، وميمه بدل من واو فوه ، ولام الكلمة هاء ، وعينها واو ، والجمع التكسيرى يدل لذلك ، وكذا التصغير على فويه ، والنسب على فوهى ﴿ قدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيآتِ ﴾ العلامات الدالة على البغضاء لكم ﴿ إن كنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ما بينا لكم ، أو كنتم من أهل التميز .

افتحه في القارئ · صفحة ٤١١