سورة الأحزاب · الآية ٧٢ من ٧٣

‹ السورة السابقة
إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَیۡنَ أَن یَحۡمِلۡنَهَا وأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومࣰا جَهُولࣰا٧٢
الرسم الإملائيّ

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا

الجزء ٢٢الربع ١٧١ صفحة ٤٢٧

تفسيرها

[سورة الأحزاب — آية 72]

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة؛ وسماها أمانة من حيث إنها واجبة الاداء ، والمعنى: انها - لعظمة شانها – بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام، وكانت ذا شعور وإدراك لأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الغنسان مع ضعف نيته ورخاوة قوته، لا جرم فالمؤدي لها والقائم بحقوقها يفوز بخير الدارين،﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ حيث لم يف بها ولم يراع حقها، {} بكنه عاقبتها؛ وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب. وقيل: المراد بالأمانة الطاعة التي تعم الطبيعة والاختيارية؛ ولعل المراد بالأمانة: العقل والتكليف، وبعرضها عليهن: اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن، وبإيبائهن الإيباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد، وتحمل الإنسان: قابليته واستعداده لها؛ وكونه ظلوما جهولا لما غلب من القوة الغضبية والشهوية، وعلى هذا يحسن ان يكون علة للحمل عليه، فإن من فوائد العقل ان يكون مهيمنا على القوتين، (لعله) الديني والدنياوي، حافظا لهما عن التعدي ومجاوزة الحد، ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٠٥

[سورة الأحزاب — آية 72]

قوله : ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ﴾ . قال بعضهم : عرض عليهن الطاعة والمعصية ، والثواب والعقاب .

وقال الكلبي : إنه عرض العبادة على السماوات والأرض والجبال ليأخذنها بما فيها . قلن : وما فيها؟ قيل : إن أحسنتن جوزيتن ، وإن أسأتن عوقبتن . فأبين أن يحملنها ، وعرضها على الإِنسان ، والإِنسان آدم ، فقبلها .

ذكر إبراهيم بن محمد عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس قال : الأمانة التي حملها ابن آدم : الصلاة والصوم والغسل من الجنابة .

ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قال الله : ثلاث من حفظهن فهو عبدي حقاً ، ومن ضيعهن فهو عدوي حقاً : الصلاة والصوم والغسل من الجنابة » .

ذكروا عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ائتمن ابن آدم على ثلاثة : على الصلاة ، ولو شاء قال : صليت [ ولم يصل ] ، وعلى الصيام ، ولو شاء قال : صمت [ ولم يصم ] ، وعلى الغسل من الجنابة ، ولو شاء قال : قد اغتسلت [ ولم يغتسل ] » قال : ثم تلا هذه الآية : ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ ﴾ [ الطارق : 9 ] .

قال تعالى : ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً ﴾ أي : لنفسه ﴿ جَهُولاً ﴾ بدينه؛ وهذا المشرك .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٠٥

[سورة الأحزاب — آية 72]

﴿ إنَّا عَرضْنا الأمانة ﴾ ما يجب فعله وما يجب تركه ، وجاء فى الحديث ، عن زيد بن أسلم ، عنه صلى لله عليه وسلم : « الأمانة ثلاث : الصلاة والصيام والغسل من الجنابة » قلنا : هذا تمثيل لا حصر ، وهذا هو الصحيح ، وقيل : لا إله إلا الله ، لأن الأعمال تتوقف على التوحيد ، ويضعف تفسيرها بالأعضاء ، ومثل لها ابن عمر موقوفا بالفرج ، وشهر هذا عن عمرو بن العاص ، وقال : « أول ما خلق الله من الانسان الفرج وقال : هذه أمانتى عندك فلا تضعها إلا فى حقها » والسمع أيضا أمانة ، وقيل : أمانات الناس ، والوفاء بالعهود ، وقيل : أن لا تغش أحدا ، وإذا حملنا الأقوال على التمثيل عدنا الى ما فسرت به أولا من الواجب فعلا أو تركا .

﴿ على السَّموات والأرض ﴾ المراد الأرضون ﴿ والجِبَال ﴾ أى على أهلهن ، ولما حذف قيل : « أبين ويحملنها وأشفقن » ولم : أبوا ، وأن يحملوها واشفقوا ، وقيل : خلق فيهن العقل وخيرهن فى القبول على الثوب والعقاب ، وقلن تخاف العقاب ، ولا نحتاج الى الثواب كما قال الله عز وجل : ﴿ فأبَين ﴾ امتنعن منها ، ولولا التخيير لم يمتنعن ﴿ أن يحْملنَها ﴾ مفعول به ، أى معنهن حملها عن أنفسهن ، أى لم يقبلنه وكرهنه ، أو امتنعن من أن يحلمنها ﴿ وأشْفَقْن منها ﴾ اشد خوفهن للعقاب على عدم الوفاء ، أو معنى عرضها عليهن ، وابائهن خلقهن على وجه لا يقبل التكليف بها ، لعدم العقل ، وعدم صور ما يتصور من الانسان منهن ، أو المعنى لو عرضناها عليهن لأبين بعقل أو دونه على حد ما مر .

﴿ وحَمَلها الإنسانُ ﴾ أى خلقناه على وجه تتصور هى منه ، وكذا الجن والملائكة ، إلا أنهم لا تشق عليهم وهى العبادة ، لأنها من جنس ما طبعوا عليه ، ومع ذلك لهم اختيار مدحوا به ، والجن كالانسان ، إلا أنهم لم يذكروا ، لأن لكلام فى الانسان وإيذائه الرسول ، والمراد جنس الانسان ، وحمله هلا كونه على وجه يتصور معه أداؤها ، أو نطقه بأدائها يوم يقول : ﴿ ألست بربكم ﴾ وكذا أقر آدم ، وقل : الانسان آدم ، خلق الله تعالى صخرة عجزت عنها السموات والأرض والجبال ، وقد عرضت عليهن ، فحركها آدم وقال : لو شئت لحركتها فحملها الى حقوبة ، ثم الى عاتقة ، وأراد وضعها فنودى : كما أنت قد لزمتك وذريتك الى يوم القيامة اى قف كما أنت لا تضعها ، وفيه أن تسمية آدم بما قال الله تعالى :

﴿ إنَّه كان ظَلُوما جَهُولا ﴾ بعيدة لأنه ولى له لا يسميه بذلك ، ولو كان المعنى أنه ظلوم لنفسه جهول لأمر الله ، أى بعاقبة حملها ، ولو قيل بأن من شأنه ذلك ، لولا أن الله وفقه ، أو قيل : ظلوم جهول فى حساب الملائكة ، ثم علموا غير ذلك ، قيل : ما بين حملها وخروجه من الجنة بالزلة إلا قدر ما بين الظهر والعصر ، ويقال : قال : أحملها إجلالا لك ، فقال : وجلالى لأعيننك ، والصحيح أن الانسان الجنس ، والمبالغة فى الظلم والجهلل باعتبار غالب الأفراد ، وكذا تظنهم الملائكة يوم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٠٥