سورة الزمر
الجزء الزمر · صفحة ٠﴿ خلَقَكم ﴾ أيها الناس ، أو أيها المشركون لم يعطف على خلق السموات لاستقلاله بالدلالة على أنه تعالى واحد قهار ، ولتعلقه بالعالم السفلى ، وقدم ذكر خلق الانسان على خلق الأنعام لعقله ، وقبول التكاليف ﴿ مِن نفسٍ واحِدةٍ ﴾ آدم عليه السلام بلا أب ولا أم ﴿ ثمَّ جَعَل منْها زوجَها ﴾ حواء ، ثم لتراخى الزمان ، إذ هو الأصل فيها ، والمراد بخلقكم إخراجكم من آدم كالذر ، وهو متقدم على خلق حواء ، ويكفى فى التراخى مدة ولو قصيرة ، ولا سيما أنها طالت بين الاخراج كالذر ، وحين خلق حواء منه ، ويجوز أن يكون التراخى رتبيا على أن خلقها من ضلع أعظم من خلقهم من نطفة ، على أن المراد بخلقهم من نطفة وهو متأخر عن خلقها زمانا ، وقد يكون خلقهم من نطفة أعظم من خلقها من ضلع ، لأن النطفة ميتة ، والضلع حى ، ولكونها بتغيير بعضه عن حاله الأول ، عبر الجعل فليس التعبير به لكون خلقها أعظم من خلقه .
روى أنه أخرج ذريته من ظهره كالذر ، ثم خلق زوجه من قصيرى ضلعه الأيس أسفل الأضلاع ، وبقى بعضه ، أو جعل كله حواء ، فالعطف على خلقكم بمعنى أخرجكم مجازا ، ويجوز عطفه على نعت ثان محذوف ، أو على مستأنف للبيان أى خلقها ، ثم جعل منها ، ويجوز عطفه على واحدة ، ولو تغلبت عليه الاسمية لجواز ملاحظة الحدث فيه ، أى وحدت ثم جعل منها مع عدم شهرة فعل الواحدة الثلاثى .
﴿ وأنْزل لَكُم مِن الأنْعام ﴾ أثبت لكم فى اللوح المحفوظ ، وعبر بالانزال عن الاثبات ، لأن المثبت فى اللوح المحفوظ تنزل الملائكة باظهاره على الاستعارة الأصلية واشتق منه أنزل على التبعية ، والجامع الظهور الارسالى ، فالتبعى لعلاقة السببية أو اللزوم ، فثبوته فى اللوح سبب لنزوله وملزوم له ، ويجوز أبقاء الانزال على حقيقته ، وهو انزال المطر الذى هو سبب حياتها ، لأنها لا تعيش إلا بالنباب ، ولا نبات إلا بالماء ، وهو ينزل من السماء فكأنها نزلت من السماء ، وذلك متبادر ، ولا دليل على ما قيل إنها خلقت فى الجنة مع آدم ، ثم أنزلت منها ، ومن للبيان متعلقة بمحذوف حال من قوله :
﴿ ثمانية أزْواجٍ ﴾ ذكور الضأن والمعز ، والبقر والإبل ، وإناثها ، والعطف على خلقكم أو على جعل على أن ثم لغير ترتيب الزمان ، لأن الصحيح ، أن الأنعام وغيرها من الحيوان ، خلقت قبل آدم ، وضعف القول بأن الأنعام خلقه ، وقدم لكم بطريق الترغيب والاعتناء بما صدر والتشويق الى ما أخر ﴿ يخْلُقكُم ﴾ خطاب لبنى آدم المخاطبين بقوله : « خلقكم » وإن جعلناه للأنعام ولبنى آدم ففيه تغليب العقلاء على غيرهم فى الضمير ، والمخاطبين على ما استحق كلام الغيبة من أن يقال يخلقها ﴿ فى بُطُون أمَّهاتِكمْ خلقا من بعْدِ خَلْقٍ ﴾ علقة بعد نطفة ، ومضغة بعد علقة ، وعظما بعد مضغة ، ولحما وجلدا وعروقا عظم ، وهذه الأطوار فى بنى آدم والأنعام ونحوها ، ومن متعلق ، بخلقا أو بيخلق ، بمحذوف نعت لخلقاً ﴿ فى ظلمات ﴾ لا يتعلق بيخلق ، لأنه قد علق فيه فى بطون وحرفا جر لمعنى واحد لا يتعلقان بعامل واحد إلا على التبعية ، كما اذا جعلنا فى ظلمات بدلا من ﴿ فى بطون ﴾ ويجوز تعليقه بخلقا ﴿ ثلاثٍ ﴾ ظلمة البطن ، والرحم والمشيمة ، وقيل : ظلمة الصب ، والبطن ، والرحم ، فى هذا المشيمة ، ولعل إلغاءها لأنها لا يلزم أن تكون ، وعلى كل حال ألغى صرد المرأة ، مع أن ماءها منه ، كما أن ماء الرجل من ظهره ، ولعل إلغاءه لقلته .
﴿ ذَلكم ﴾ الفاعل لما ذكر ﴿ الله ﴾ المستحق لا ألوهية لفظا ومعنى ، ولا يستحق الألوهية لفظا ولا معنى غيره ، لأنه لا يفعل فعله ، وهو خبر أو بدل أو بيان أو نعت على التأويل بالمعبود ﴿ ربُّكم ﴾ خبر ثان ، أو خبر أو بدل أو نعت بمعنى المربى لكم فى تلك الأطوار ، وبعدها ﴿ لَه المُلْك ﴾ خبر ثان أو ثالث أو خبر ﴿ لا إله إلا هُو ﴾ خبر آخر ، أو خبر والأولى أنه مستأنف ﴿ فأنَّى ﴾ كيف ﴿ تُصْرفُون ﴾ عن عبادته واعتقاد ألوهيته ، مع كمال الدواعى إليهما وانتفاء الصوارف .