سورة النساء · الآية ٣٥ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَیۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُوا۟ حَكَمࣰا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمࣰا مِّنۡ أَهۡلِهَاۤ إِن یُرِیدَاۤ إِصۡلَٰحࣰا یُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَیۡنَهُمَاۤۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِیمًا خَبِیرࣰا٣٥
الرسم الإملائيّ

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا

الجزء ٥الربع ٣٣ صفحة ٨٤

تفسيرها

[سورة النساء — آية 35]

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ عداوة وخلافا ، ﴿ فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ ﴾ رجلاً يُصلح للحكومة والإصلاح بينهما ، ﴿ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا ﴾ وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما ، لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال ، وأطلب للصلاح ، ونفوس الزوجين أسكن إليهم ، فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض ، وإدارة الصحبة والفرقة ، والضمير في ﴿ إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً ﴾ للحكمين وفي : ( يوفق الله بينهما ) للزوجين ، أي : إن قصدا إصلاح ذات البين ، وكانت نيتهما صحيحة بورك في وساطتهما ، وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق ، وألقي في نفوسهما المودة والاتفاق . أو الضميران للحكمين ، أي : إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين ، ﴿ يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ فيتفقان على الكلمة الواحدة ، حتى يتم المراد . أو الضميران للزوجين إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلب الخير ، وأن يزول عنهما الشقاق يلقي الله بينهما الألفة ، وأبدلهما بالشقاق الوفاق ، وبالبغضاء المودة ، وقد وعد الله التوفيق لمن أراد الإصلاح منهما ، ﴿ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ بإدارة الحكمين والخصمين .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٢٨

[سورة النساء — آية 35]

قوله : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أي : اختلافاً ، أي : إن نشزت المرأة حتى تشاقّ زوجها ﴿ فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ ﴾ أي من أهل الرجل ﴿ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا ﴾ أي : من أهل المرأة ﴿ إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَا إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ .

أي إذا نشزت ورفع ذلك إلى الإِمام بعث الإِمام حكماً من أهل المرأة وحكماً من أهل الرجل يُصلحان بينهما ، ويجمعان ولا يُفرّقان ، وينظران من أين يأتي الضرر والمدافعة؛ فإن اصطلحا فهو من الله ، وإن أبيا ذلك وأبت المرأة إلا النشوز وقّفها . الإِمام على النشوز؛ فإن افتدت من زوجها حلّ له أن يخلعها ، والخلع جائز عند السلطان وغيره .

وقال بعضهم : فابعثوا حَكَماً عدلاً مِن أَهلها وحَكَماً عدلاً من أهل الرجل ينظرن في النصيحة لهما فيعظان الظالم .

***********************

وذلك أنه يخلو حَكَم الرجل بالرجل فيقول : أخبرني بما في نفسك فإني لا أستطيع أن أفرّق أو أجمع إلا بأمرك . فإن كان الرجل هو الناشز الظالم قال له : فرّق بيني وبينها ، فلا حاجة لي فيها . وإن لم يكن هو الناشز قال له : أرضها من مالي بما أحبّت ولا تفرّق بيني وبينها . ويخلو حكم المرأة بالمرأة فيقول : أخبريني بما في نفسك . فإن كانت هي الناشزة قالت له : أعطه من مالي ما شاء وفرّق بيني وبينه . فإن لم تكن هي الناشزة قالت له : اتق الله ولا تفرق بيني وبينه ، ولكن استزده لي في نفقتي ، ومره أن يحسن إلي . ثم يلتقي الحكمان . وقد علم كل منهما ما قال له صاحبه .

فإن أرادا إصلاحاً بين الرجل والمرأة أخذ كل منهما على صاحبه يميناً لتصدقني وأصدقك . فإذا صدق كل واحد منهما صاحبه عرفا من أيٍّ جاء النشوز . فإن كان من قِبل الرجل قالا له : اتّقِ الله ، فإنك أنت الظالم الناشز ، فارجع إلى أمر الله ، فيأمرانه بالعدل ، ويأخذانه بالنفقة حتى يرجع إلى أمر الله ولا يطلقها . وإن كانت المرأة هي الناشز ، الظالمة لزوجها ، قالا لها : أنت الناشز الظالمة لزوجك ، فيأمرانها بالعدل ، لعل الله يُصلح ما بينهما على أيديهما .

وقال بعضهم : إنما يُبعث الحكمان ليُصلحا . فإن أعياهما أن يُصلحا بينهما شهدا على الظالم بظلمه وليس بأيديهما الفرقة ولا يملكان ذلك .

وبلغنا عن علي بن أبي طالب أنه قال للحكمين : ذلك إليكما إن رأيتما أن تفرّقا ففرّقا .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٢٨

[سورة النساء — آية 35]

﴿ وَإنْ خِفتُمْ ﴾ علمتم يا ولاة الأمور ، أو الصلحاء ، أو يا أهل الزوجين ، وقال الزجاج : ظننتم ، لأنه لو علمنا الشقاق لم نحتج إلى الحكمين ، قلت نحتاج إليهما لإزالة الشقاق المعلوم الثابت ، ولنعلم من أيهما كان ﴿ شِقَآقَ بَيْنَهِما ﴾ بين الفريقين ، الرجال وأزواجهم ، أو بين الرجل وزوجته المعلومين من الجمع ، ويدل على الزوجين والأزواج ذكر النشوز ، والشقاق فعل الرجال وأزواجهم ، إذ عصى أحدهما الآخر كان فى شق ، وآخر فى شق آخر ، وأضافه إلى بين لأنه زمانه كقولك يا سارق الليلة ، وفى المكان مكر الليل ، أو هو فعل لبين على المجاز العقلى ، كقولك نهاره صائم ويجوز هذا أيضاً فى المثالين الأولين ﴿ فَابْعَُثْوا ﴾ لطلب البيان أو لللإصلاح بينهما ﴿ حَكماً ﴾ رجلا عادلا عارفاً بده ثق الأمور ، يصلح للحكومة ولإصلاح ، كما سماه حكما لأنه مبعوث للحكم ، وفيه أن الحكم المبالغ فى الحكم لا كل حاكم ﴿ وَحَكَمَا مِّنْ أَهْلِهَا ﴾ كذلك ، وذلك استحباب ، فلو بعثا من الأجانب منهما ، أو من أحدهما لجاز ، ولا يحتاج أن يوكل كل واحد ، منهما حكمه ، لأنهما لا يليان الطلاق أو للفداء إلا بإذن الزوجين ، وقال مالك : لهما الطلاق أو اللفداء ، وعليه فيوكلانهما فأولى ، وهو ظاهر قول على للحكمين إذ جاءاه : أتدريان ماذا عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما ، وإن رأيتما أن تفرقا فرقما ، والصحيح أن لا طلاق إلا من الزوج أو بأمره ، ولعله جاز لعلى ذلك القول لأنه إمام ، له فعل المصلحة ، كذا قيل ، وقيل يوكل حكمه على الطلاق أو الفداء ، وتوكل حكمها على الفداء فيأمران الظالم منهما أولا بالرجوع عن الظلم ﴿ إن يُرِيدَآ ﴾ أى الحكمان ﴿ إصْلَحاً ﴾ إزالة الشقاق ﴿ بُوِفِّقَ اللهُ ﴾ بالألفة ﴿ بَيْنَهُمَآ ﴾ بين الزوجين ، أو بين الحكمين ، باتفاق كلمهما فى صواب ، أو ألف يريدا والهاء فى بينهما كلاهما للزوجين ، أو الألف للزوجين والهاء للحكمين ، أو العكس ، ومن أصلح نيته قضى الله له الخير ولو على يد غيره ، ولا دلالة فى الآية على جواز التحكيم ، فيما نص الله فيه على الحكم ، كقتال البغاة لأن الآية فى غير ذلك ﴿ إنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً ﴾ بالظواهر ﴿ خَبِيراً ﴾ بالبواطن والدقائق .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٢٨