وَٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُوا۟ بِهِۦ شَیۡءࣰاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَیۡنِ إِحۡسَٰنࣰا وَبِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِینِ وَٱلۡجَارِ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَیۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالࣰا فَخُورًا٣٦
الرسم الإملائيّ
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا
الجزء ٥الربع ٣٤ صفحة ٨٤
تفسيرها
﴿ وَاعْبُدُواْ اللّهَ ﴾ العبودية ، أن يوحدوه ويطيعوه في الأحوال كلِّها ، مخلصين له الدين حنفاء ، ﴿ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ صنما ، أو شيئا من الشرك جليا أو خفيا ، أو شيئا من كبائر الذنوب . ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ أحسنوا بهما إحسانا ، بالقول والفعل والإنفاق عليهما ، مع القدرة عند الاحتياج ، ﴿ وَبِذِي الْقُرْبَى ﴾ وبكلِّ من بينكم وبينه قربى ، من أخ أو عم أو غيرهما ، ﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ﴾ قيل ك الجار النسب ، وقيل : القريب الجوار ، ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ الذي جواره أبعد ، أو الأجنبي ، ﴿ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ ﴾ قيل : الصاحب في السفر ، أو الذي صحبك أن حصل بجنبك إما رفيقا في السفر ، أو شريكا في تعلُّم علم ، أو غيره ، أو قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد ، فعليه أن يراعى حقه . ﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ المسافر به ، أو الضيف ، ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ العبيد والإماء وبقية الحيوانات . ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً ﴾ متكبِّرا ، يأنف عن القيام بأمر الله ، ﴿ فَخُوراً ﴾ يعدِّد مناقبه كِبرا ، وهو التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ؛ والفخور : الذي يفخر بكثرة ماله .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٢٩
قوله : ﴿ وَاعْبُدُوا الله وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ﴾ [ أي لا تعدلوا به غيره ] . ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى ﴾ أي الجار الذي له قرابة ، ﴿ وَالجَارِ الجُنُبِ ﴾ أي الأجنبي الذي ليست له قرابة ﴿ وَالصَّاحِبِ بَالجَنبِ ﴾ أي الرفيق والنزيل في السفر .
وقال بعضهم : الصاحب بالجنب هي المرأة التي يلصق جنبها بجنبك ، وجنبك بجنبها ، أوصاك الله بها ، لأنها أقرب الخلق إليك .
ذكر عطاء الخرساني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الجيران ثلاثة : جار له ثلاثة حقوق ، وجار له حقان ، وجار له حق واحد . فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم ذو القرابة ، له حق الإِسلام ، وحق القرابة ، وحق الجوار ، وأما الجار الذي له حقان فالجار المسلم؛ له حق الإِسلام وحق الجوار ، وأما الذي له حق واحد فالجار المشرك؛ له حق الجوار » .
قال بعضهم : إذا كان له جار له رحم فله حقان : حق الجوار وحق الرحم . والجار الجنب له حق الجوار . والصاحب بالجنب وهو الرفيق والنزيل في السفر .
قوله : ﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ هو الضيف .
ذكروا عن علي بن أبي طالب قال : الجوار أربعون داراً .
الخليل عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت » .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أتاني جبريل فما زال يوصيني بالجار حتى ظننت ، أو رأيت أنه سيورثه » .
ذكروا عن أبي شريح الخزاعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوماً وليلة ، والضيافة ثلاثة أيام ، وما سوى ذلك فهو صدقة » .
قوله : ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ ذكروا عن أم سلمة قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من آخر وصيته عند موته : الصلاة وما ملكت أيمانكم ، حتى جعل يجلجلها في صدره ، وما يفيض بها لسانه .
ذكر الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « المملوك أخوك ، فإن عجز فخذ معه ، ومن رضي مملوكه فليمسكه ، ومن كرهه فليبعه ولا تعذبوا خلق الله الذي خلق » .
ذكروا عن أبي ذر أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في المملوكين : « أطعموهم مما تأكلون ، واكسوهم مما تلبسون ، ولا تكلّفوهم ما لا يطيقون » .
قوله : ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً الذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا ءَاتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ قال الحسن : هم اليهود ، منعوا حقوق الله في أموالهم ، وكتموا محمداً صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنه رسول الله مكتوباً عندهم . وقال بعضهم : هم أهل الكتاب بخلوا بحق الله عليهم ، وكتموا الإِسلام ومحمداً ، وهم يجدونه مكتوباً عندهم . وقال بعضهم : ويأمرون الناس بالبخل فهو كتمان محمد .
قال : ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ فأخبر أنهم كفار . وقوله ﴿ مُهِيناً ﴾ من الهوان .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٢٩
﴿ وَاعْبُدُوا اللهَ ﴾ بأنواع العبادات ، والعبادة أقصى غاية الخضوع ﴿ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْشاً ﴾ غيره من صنم أو غيره ، ومن الإشراك الرثاء ، وترك عبادة خوف النسبة إلى الرثاء وقد قيل إن ترك العمل خوف للنسبة إلى الرثاء غير شرك ، وعندى أنه لا ثواب لمن صلى صلاة أو فعل عبادة ليرزق مالا أو صحة أو نحوهما من أمور الدنيا ، أو صام إصلاحا لمعدته ، أو تطهر لتبرد ، ولو نوى مع ذلك تقرباً ، والعبودية ترك الاختيار وملازمة الذلة والافتقار ، والوفاء بالعهود وحفظ الحدود ، والرضى بالموجود ، والصبر عل المفقود ﴿ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَاناً ﴾ وأحسنوا بالوالدين إحساناَ ، بالخضوع فى الكلام لهما ، والإنفاق عليهما ، والسعى فيما يليق بهما ولو لم يلطباه ، قال أبو سعيد الخدرى : أراد رجل الجهاد ، فقال صلى الله عليه وسلم : « أبواك أذناك؟ قال : لا ، قال : استأذنهما ، فإن أذناك وإلا فبرهما » ، ولاباء للمصاحبة أو الغاية ﴿ وَبِذى القُرْبَى ﴾ كانت الباء هنا لأن ما هنا تكليف لهذه الأمة وتوصية لها ، فكان بطريق الاعتناء ، ولم تكن فى البقرة لأنه ما فيه حكاية لبنى إسرائيل ﴿ وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجارِ ذِى لْقُرْبَى ﴾ بجوار ، أو نسب ، أو رضاع ، أو دين ، أو بمتعدد من ذلك ، أو بذلك كله ﴿ وَالْجَارِ الجُنُبِ ﴾ المنتفية عنه القرابة المذكورة ، قال الله تعالى : واجنبنى وبنى أن نعد الأصنام ، أى أبعدنى قالت عائشة رضى الله عنها ، يا رسول الله ، إن لى جارين فبأيهما أبدأ؟ قال : يا قربهما إليك بابا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الجيران ثلاثة ، جار له ثلاثة حقوق ، حق الجوار ، وحق القرابة ، وحق الإسلام ، أى التوحيد ، ولا تشترط الولاية ، وجار له حقان ن حق الجوار وحق الإسلام ، وجار له حق واحد ، حق الجوار ، وهو المشرك من أهل الكتاب » ، قال أبو هريرة : قيل يا رسول الله فلانة تصوم النهار وتقوم الليل ، وفى لسانها شىء يؤذى الجيران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، « لا خير فيها ، هى فى النار ، والذى نفس محمد بيده لا يؤدى حق الجار إلاّ من رحمة الله ، وقليل ما هم ، أتدرون ما حق الجار؟ إن افتقر أغنيته ، وإن استقرض أقرضته ، وإن أصابه خير هنأته ، وإن أصابه شر عزيته ، وإن مرض عدته ، وإن مات شيعت جنازته » أى حال كونه فى الجنب ، أو الباء على بابها ، كلازوج ، والسرية ، والزوج ، وقعود إلى جنبك فى المسجد ، أو فى عبادة كتعلم وتصرف وصناعة وسفر ، وقعود إلى جنبك فى المسجد ، أو مجلس علم ، ويتفاوت بتفاوت ما وقع من الصحبة حتى يكون ف حكم القرابة ، كما قالوا صحبة عشرين يوما قرابة ، وقيل الصاحب بالجنب هو المنقطع إليك يرجو نقمك ﴿ وَابنِ السَّبِيلِ ﴾ المسافر فى مباح أو عبادة ، منقطعا أو غيره ، وقيل إن ضعف والضيف ﴿ وَمَا مَلَكَت أَيْمَانُكُمْ ﴾ من عبيد وإماء وحيوان ، قال صلى الله عليه وسلم للذى أضر بجملة :
« ما هذا جزاء العبد الصالح ، ويروى المملوك الصالح لا يكلفهم ما لا يطيقون ولا يؤذيهم بكلام ، ويطعم ويكسو » ، قال أنس : كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت ، الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغرها فى صدره ومن يفيض بها لسانه ، جعل رجل من الأنصار يضرب عبده ويقول العبد أعوذ بالله ، وهو يزيد ضرباً فحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أعوذ برسول اله ، فتركه ، فقال إن الله عز وجل أحق أن يجار عابده ، فقال سيده ، إنه حر لوجه الله ، فقال صلى الله عليه وسلم « والذى نفس محمد بيده لو لم نقلها للفح وجهك سقع النار » ، وهو مخالف لمتن حديث الربيع ﴿ إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُختَآلاً ﴾ معجبا بنفسه متكبرا ، يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ويظهر أثر ذلك فى كلامه ومشيه ﴿ فَخُوراً ﴾ على الناس بماله أو لعمه ، أو بنيه ، أو كرمه أو شجاعته ، أو مناقب آبائه ، لما نزلت بكى ثابت بن قيس بن شماس ، وقال : يا رسول الله إنى لأحب الجمال ولو لشراك فعلى ، فقال : ليس ذلك كبرا ، الكبر تسفيه الحق وغمص الخلق ، أنت من أهل الجنة .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٢٩