إِنۡ هِیَ إِلَّاۤ أَسۡمَاۤءࣱ سَمَّیۡتُمُوهَاۤ أَنتُمۡ وَءَابَاۤؤُكُم مَّاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن یَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَاۤءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰۤ٢٣
الرسم الإملائيّ
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى
الجزء ٢٧الربع ٢١٠ صفحة ٥٢٦
تفسيرها
}أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)﴿ هي أصنام كانت لهم. ﴾أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21)﴿ إنكار لقولهم: الملائكة بنات الله. ﴾تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)﴿ جائزة؛ حيث جعلتم له ما تستنكفون ]منه[، وهي ”فعلى“ من الضيز: وهو الجور. ﴾إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ﴿ الضمير للأصنام، أي: ما هي باعتبار الألوهية إلا أسماء (لعله) وأمثال وصور تطلقونها عليها، لأنكم تقولون: إنها آلهة، وليس فيها شئ من معنى الألوهية؛ أو للصفة التي تصفونها بها من كونها آلهة وبناتا وشفعاء؛ أو للأسماء المذكورة، فإنها كانوا يطلقون اللات عليها، باعتبار استحقاقها للعكوف على عبادتها؛ والعزى لعزتها؛ ومناة: لاعتقادهم أنها تستحق أن يتقرب إليها بالقرابين، ﴾سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ﴿ بهواكم، ﴾مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴿ برهان تتعلقون به. ﴾إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴿ إلا التوهم أن ما هم عليه حق، تقليدا وتوهما باطـلا، ﴾وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴿ وما تشتهيه الأنفس؛ ﴾وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23){حججه وبراهينه.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٨٠٧
ثم قال الله : ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم ﴾ يعني اللات والعزى ومناة ﴿ مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾ أي من حجة بأنها آلهة .
ثم قال للنبي عليه السلام : ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ ﴾ أي : إن ذلك منهم ظنّ ﴿ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ أي القرآن .
ذكروا عن أبي العالية الرياحي قال : كان النبي عليه السلام في المسجد الحرام يصلي وهو يقرأ سورة النجم . فلما أتى على هذه الآية : ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴾ ألقى الشيطان على لسانه : إنهن من الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى . فأعجب ذلك المشركين . وقرأ السورة حتى ختمها فسجد وسجد معه أهل مكة المؤمنون والمشركون ، والجن والإنس ، فأنزل الله : ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ يعني المنافقين ﴿ وَالقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ [ الحج : 52-53 ] يعني المشركين . قوله : ( إِذَا تَمَنَّى ) أي : إذا قرأ ، في تفسير بعضهم . وقال الكلبي : إذا حدّث نفسه .
وقال الكلبي : كان النبي عليه السلام يصلّي في البيت ، والمشركون جلوس؛ فقرأ ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ فحدّث نفسه ، حتى إذا بلغ : ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴾ ألقى الشيطان على لسانه : فإنها من الغرانيق العلى ، يعني الملائكة ، وإن شفاعتهم ترتجى . وقال بعضهم : وإنها مع الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهم لترتجى .
وقال بعضهم : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المقام يصلّي ، إذ نعس ، فألقى الشيطان على لسانه كلمة فتكلّم بها ، فتلقفها المشركون عليه : ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴾ وإنها مع الغرانيق العلى ، فانزل الله : ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى . . . ﴾ الآية .
قال الكلبي : فلما انصرفَ النبي عليه السلام من صلاته قال المشركون : قد ذكر محمد آلهتنا بخير . فقال النبي عليه السلام : والله ما كذلك نزلت علي . فنزل عليه جبريل ، فأخبره النبي عليه السلام فقال : والله ما هكذا علّمتك ، وما جئت بها هكذا . فأنزل الله : ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ . . . ﴾ وقال الكلبي : ﴿ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى ﴾ إن سأل شيئاً من الدنيا . فألقى الشيطان على لسانه هذا القول .
وقال بعضهم : وبلغنا أنه قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ ﴾ أي : انقبضت ﴿ قُلُوبُ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ أي : أوثانهم ﴿ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [ الزمر : 45 ] .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٨٠٧
﴿ إنْ هِىَ ﴾ أى ما الأصنام باعتبار نسبة الألوهية إليها ﴿ إلا أسْماء ﴾ ليس فيها من معنى الألوهية شىء ﴿ سَمَّيتُوها أنتُم وآباؤكُم ﴾ بالهوى الباطل ، والجملة نعت للأسماء وها للأسماء ، والتسمية بالنسبة الى الاسم جعله اسما للمسمى ، والى المسمى جعله مسمى للاسم أو التسمية ، ذكر الاسم والمراد هنا الأول لتحقيق أن تسمية تلك الأصنام آلهة أمر باطل لم يصادفها ، إذ لا حظ لها فى الألوهية ، قال الله جل وعلا : ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء ﴾ كمن سمى النار ماء فهن مسميات بما ليس فيها ، وقيل : قوله : هى للأسماء الثلاثة التى أطلقوها على تلك الأصنام للاستحقاقها مفهومات تك الأسماء عندهم ، ورد بأنه ليس فى سلب مفهوماتها من العزة والعكوف ولت السويق ، ونحو ذلك كما من فى اللات ، والتقرب والتقدير ونحو مما مر فى مناة مزيد فائدة ، وانما الفائدة فى سلب الألوهية عنها .
﴿ ما أنْزل اللَّهُ بهَا من سلطان ﴾ حجة مصدقة لهم ﴿ إن يتَّبعُون ﴾ فى تلك التسمية والعمل بمقتضاها ﴿ إلا الظنَّ ﴾ التوهم الباطل فى نفس الأمر ، ولو كان عندهم ترجيحا ﴿ وما تَهْوى ﴾ تشتهى ﴿ الانْفُس ﴾ أنفسهم الأمارة بالسوء ، ويجوز أن تكون مصدرية ، وأل عوض عن الضمير المضاف اليه ، أو للجنس ، فان النفس مطلقا تميل الى ما تستلذه طاعة أو متاحا أو معصية ، وانما ترد عن المعاصى بالعقل ، ومقتضى الظاهر تتبعون بالمشاة للخطاب وانما كان بالغيبة ، لأن تعداد قبائحهم بلغ الى أن يعرض عنهم ، وتذكر لغيرهم ، وقد قرأ ابن عباس ، وابن مسعود بالخطاب .
﴿ ولَقَد جاءهُم مِن ربِّهم الهُدى ﴾ اللام للابتداء شبه الجملة لبدوءة بقد بالجملة الاسمية فى التحقيق مع عدم بدئها بالفعل ، ألا ترى أنها تقرن بفاء الجواب كالاسمية ، أو هى لام تأكيد مطلقا ، والعطف على ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ عطف قصة على أخرى ، وأولى من ذلك أن تكون حالا من واو يتبعون ، وان جعلنا اللام للقسم المحذوف لم يصح أن تكون الجملة وحدها حالا ، لأنها جواب لقسم ، ولا مع القسم ، لأن القسم انشاء فيكون هو وجوابه معطوفين على يتبعون عطف انشاء على اخبار ، وقصة على أخرى ، والهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما هو البينة فى قوله تعالى : ﴿ حتى تأتيهم البينة ﴾ وذلك مبالغة ، وانما أريد بالمبالغة فى حق الله تعالى تأكيد ، أو يقدر بالهادى أو بذو الهدى أو الهدى القرآن .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٨٠٧