سورة الأعراف · الآية ١٣٧ من ٢٠٦

‹ السورة السابقة
وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِینَ كَانُوا۟ یُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِی بَٰرَكۡنَا فِیهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِیۤ إِسۡرَٰۤءِیلَ بِمَا صَبَرُوا۟ۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ یَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُوا۟ یَعۡرِشُونَ١٣٧
الرسم الإملائيّ

وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ

الجزء ٩الربع ٦٦ صفحة ١٦٦

تفسيرها

[سورة الأعراف — آية 137]

﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ هم بنو إسرائيل ، كان يستضعفهم فرعون وقومه بالاستخدام والقتل ؛ ﴿ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ لباس أورثهم إياها ، ﴿ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ بالخصب وسعة الأرزاق ، وكثرة الأنهار والأشجار . ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى ﴾ وهي نعمته ، ﴿ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ هو قوله : ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ) . ﴿ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ بسبب صبرهم ، وحسبك به حثا على الصبر ، ودالا على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه ، ومن قابله بالصبر ضمن الله له بالفرج . ﴿ وَدَمَّرْنَا ﴾ أهلكنا ﴿ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴾ من العمارات وبناء القصور ، ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ من الجنات ، أو ما كانوا يرفعون من الأبنية المشيَّدة . وهذا آخر قصة فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله ، ثم أتبعه قصة بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من فرعون ، ومعاينتهم الآيات العظام ، ومجاوزتهم البحر وغير ذلك ، تسلية لرسول الله مما رأى من بني إسرائيل بالمدينة .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٠٩١

[سورة الأعراف — آية 137]

قوله : ﴿ وَأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ وهم بنو إسرائيل ﴿ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ قال الحسن وغيره : أرض الشام . وقال الكلبي : مقدس فلسطين والأردن . وإنما سكنها أبناء من كان مع موسى ، لم يبقَ منهم يومئذٍ إلا يوشع بن نون معه ، دخل أبناؤهم .

قوله : ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى ﴾ يعني ظهور قوم موسى على فرعون في تفسير مجاهد ﴿ عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ بِمَا صَبَرُوا ﴾ أي على دين الله .

قوله : ﴿ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ . قال بعضهم : وما كانوا يبنون . وقال مجاهد : وما كانوا يبنون [ من البيوت والمساكن ما بلغت ] ، قال : وكان عنبهم غير معروش .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٠٩١

[سورة الأعراف — آية 137]

﴿ وَأَوْرَثْنَا ﴾ من فرعون أَو العمالقة ، وذكر الإِرث إِشارة إِلى الأَخذ بسهولة ﴿ القَوْمَ ﴾ بنى إِسرائيل ﴿ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ يوجد ضعفاء من فعل الكفرة بهم من الاستبعاد وقتل الأَولاد أَو يفعل بهم ما يفعل بالضعيف الذى لا يرد عن نفسه لضعفه ، أَو يحسبون ضعفاءَ وليسوا كذلك عند الله بل أَقوياءَ بالحق الذى عندهم أَو بالسعادة ﴿ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ مفعول ثان لأَورث ، والمراد أَرض الشام شرقه وغربه أَى كله ، أَو مصر ، على أَنهم رجعوا إِليها ، أَو فى زمان داود ، أو ملكوها بالتصرف فيها وكونها تحت أَيديهم ولو لم يدخلوها ، والبركة بالرزق والثمار وكثرة الأَنبياءِ ، فإِن أَرضه تنبت الثمار الكثيرة بلا ماء كثير . وليس ماؤه أَكثر من ماءِ غيره ، بل ماء غيره أَكثر من ماء مواضع كثير منه ، ومياه دمشق كثيرة جداً ، وذكر بعض أَنه لم يبعث نبى إِلا من الشام ، والنبى صلى الله عليه وسلم أسرى منها ، بل بعث من أَرض هى أَفضل من الشام ، ليكون كملك رعيته فى غير بلده أَيضا ، قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن خوالة الأَزدى « عليك بالشام فإِنها خيرة الله من أَرضه يجتبى إِليها خيرانه من عباده » وقال : « يأتى زمان لا يبقى مؤمن إِلا بالشام » وقال : « ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها على الشام » وسميت بشام بن نوح فإِنه فى السريانية بالشين المعجمة ، أَو بقوم من كنعان تشاءَموا إِليها ، أَى تياسروا إِليها ، أَو لأَن أَرضها شامات بيض وحمر وسود ، والتى نعت لمشارق ومغارب ، ويضعف كونه نعتا للأَرض للفصل بالعطف ، ويجوز أَن تكون الأَرض أَرض مصر أَورثهم الله إِياها بعد فرعون فإِن فيها البركة بالنيل وغيره ، ويدل له قوله تعالى ﴿ كذلك وأَورثناها بنى إِسرائيل ﴾ وقوله ﴿ كذلك وأَورثناها قوما آخرين ﴾ أَو مصر والشام ، ولا يصح ما قيل أَرض الدنيا المعمورة لأَنه لم يملكها بنو إِسرائيل كلها ، ولا داود ولا سليمان عليهما السلام ﴿ وَتَمَّتْ ﴾ مضت ونجزت ، والموعود كالمعلق والوفاء به تمام وكمال له ﴿ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى ﴾ وعده الأَزلى أَو وعده بالمن بالنصر وإِيراثهم وتمكينهم فى الأَرض إِلى آخر ما فى قوله تعالى ﴿ عسى ربكم أَن يهلك عدوكم ﴾ الآية ، وفى قوله تعالى : ﴿ ونريد أَن نمن عليى الذين ﴾ إِلخ . ﴿ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ﴾ بسبب صبرهم على استعباد فرعون إِياهم وقتل الأَولاد ، إِذ لم ينجوا أَنفسهم بالكفر بل بقوا على الإِسلام ، ولا ينافى هذا الصبر قولهم تضجرا وتأَسفا ﴿ أوذينا من قبل أَن تأتينا ﴾ إِلخ . . لأَن التأَسف لا ينافى الصبر ، وإِنما ينافيه السخط للمقدور ﴿ وَدَمَّرْنَا ﴾ أَبطلنا ﴿ مَا كَانَ يَصْنَعُ ﴾ من القصور والعمارات ﴿ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴾ اسم كان يعود لما ، أَو إِلى الشأن ، أَو كان زائدة وما مصدرية ، وأَجاز بعض كون فرعون اسم كان مع أَن الخبر الفعلى لا يتقدم على المبتدأ حال اللبس ، وهنا يلتبس أَن فرعون فاعل يصنع ، وسوغه هنا وجود فعلين يستحق كل منهما فاعلا ، ويجوز تنازع كان ويصنع فى فرعون ﴿ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ يرفعون من الجنات والبناءِ العالى كصرح هامان .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٠٩١