وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِیۤ إِسۡرَٰۤءِیلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡا۟ عَلَىٰ قَوۡمࣲ یَعۡكُفُونَ عَلَىٰۤ أَصۡنَامࣲ لَّهُمۡۚ قَالُوا۟ یَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَاۤ إِلَٰهࣰا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةࣱۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمࣱ تَجۡهَلُونَ١٣٨
الرسم الإملائيّ
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
الجزء ٩الربع ٦٦ صفحة ١٦٧
تفسيرها
﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ ﴾ يواضبون على عبادتها كما يعبدون ابناء زمانك أهوية أنفسهم بلا حجة ، كلُّ منهم نصب هواه صنما له يعبده من دون الله ، لا يردعهم عن ذلك كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا حجة عقل ، ويقول : إن رُددت إلى ربي لأجدنَّ خيرا من هذا منقلبا ، فزين لهم الشيطان سوء أعمالهم . ﴿ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً ﴾ صنما نعكف عليه ، وفي المعنى كأنهم طلبوا شيئا (لعله) مما تهواه أنفسهم بغير حقِّ . ﴿ كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ أصنام يعكفون عليها . قال يهودي لعلي : اختلفتم بعد نبييكم قبل أن يجف ماؤه ، فقتال : قلتم : اجعل لنا إلها ولم تجف أقدامكم . وقد صدق اليهودي في هذا ، لأنه إذا وسوس الشيطان لأحد في شيء من الباطل فاتبعه في وسوسته فكأنما نصب ذلك الشيء صنما يعبده من دون الله ، وقد قال الله : ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوٌّ مبين ، وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ) ، وقال : ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) ، وليس من نصب صنما من الخشب والحجارة يعبده من دون الله بأشد عجبا ممن نصب هوى نفسه يعبده من دون الله . ﴿ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ تعجّب من قولهم على أثر ما رأوه من الآية العظمى ، فوصفهم بالجهل المطلق وأكده .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٠٩٢
قوله : ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَاءِيلَ البَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ . قال بعضهم : إن هؤلاء مفسَد ما هم فيه . قال بعضهم : بلغنا إنها نزلت بالسريانية .
قال الحسن : لما قطعوا البحر خرجوا إلى أرض بيضاء ليس معهم فيها طعام ولا شراب ولا بناء . فظلل الله عليهم الغمام وأنزل الله عليهم المنّ والسلوى . وقال بعضهم : فعل ذلك بهم في تيههم .
قال الحسن : فبينما هم كذلك نجاهم الله من البحر ومن آل فرعون ، وأغرق فرعون وقومه ، وأنزل عليهم المنّ والسلوى وظلل عليهم الغمام . وفيهم نبيهم ، وحجرهم معهم ، فيه آية عظيمة ، إذا استسقوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ، لكل سبط عين ، قد علم كل أناس مشربهم ، لا يخالط بعضهم بعضاً ، إذ أتوا على قوم عندهم أوثان يعكفون على أصنام لهم ، ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةً ﴾ ، فارتدّوا كفاراً .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٠٩٢
﴿ وَجَاوَزْنَا ﴾ موافق للمجرد أَى وجزنا ، فالباء للتعدية فى قوله . ﴿ بِبَنِى إِسْرَائِيلَ ﴾ أَى أَجزناهم ، والثانى قوله ﴿ الْبَحْرَ ﴾ أَى صيرناهم جائزين بحر القلزم على الصحيح ، أَو النيل ، وهو خطأ ، وعلى كل حال دخلوا من أَرض كنعان ورجعوا فيها بطرق مقوسة ، وإِلا فعرض القلزم بعيد جدا ، وبعضه الأَعلى متصل بالمحيط ، والنيل لو دخلوا غربيه لاحناجوا إِلى سفن يرجعون بها إِلى شرقه ﴿ فَأَتَوْا ﴾ مروا ﴿ عَلَى قَوْمٍ ﴾ هم العمالقة الذين أَمر الله موسى عليه السلام بعد ذلك بقتالهم ، أَو هم لخم ، قوم من العرب باليمن ، وقيل بمصر . ﴿ يَعْكُفُونَ ﴾ يقيمون بالعبادة ﴿ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ ﴾ أَو يعكفون على عبادة أَصنام لهم ، وهى بقر أَو صورها من نحاس أَو حجارة على صورتها ، وأَصل عجل السامرى من ذلك . ﴿ قَالُوا ﴾ أَى بنو إِسرائيل المجاوز بهم البحر ﴿ يَا مُوسَى اجْعلْ لَنَا إِلهَا ﴾ نذكر الله به ونعبده به ، وهذه ردة معنوية ، إِذ علموا أَن إِلههم هو الله عز وجل ، وذلك لشدة جهلهم ، وقسوة قلوبهم ، حتى ظنوا أّن ذلك لا يقدح فى دينهم . أَو اجعل لنا إِلها نعبده دون الله ، أَو مع الله سبحانه ، وهذه ردة معنوية لأَنهم يذكرون الله ، والظاهر أَنها صريحة كأَهل الكتاب العابدين لغير الله بعدهم ، ولشدة جهلهم ظنوا أَن عبادة غير الله تعالى لا تضر إِذا كانت تقربا إِليه أَو مع معرفته ، ولم يقولوا كلهم اجعل لنا إِلها لبعد ذلك عن السبعين الذين اختارهم للميقات ، قلت : إِن بعدت عنهم الردة الصريحة لم تبعد المعنوية ، فقد قيل : هم القائلون : ﴿ أَرنا الله جهرة ﴾ ﴿ كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ يعبدونها ، وما كافة أَو مصدرية فى قول جواز دخولها على الجملة الاسمية ، أَى إِلها ثابتا لهم كثبوت آلهة لهم ، أَو اسم أَى كالفريق الذى هو لهم آلهة ، أَو كفريق هو لهم آلهة ، وحذف صدر الصلة لطولها ، ويصح على ضعف أَن آلهة بدل من المستتر فى لهم ، ولهم صلة أَو صفة ، وروى أَن الصحابة مروا بذات أَنواط بعد فتح مككة وحنين فقال بعضهم : يا رسول الله اجعل لنا ذات أَنواط كما لهم ذات أَنواط ، وهى شجرة يعلق بها المشركون سلاحهم ، وربما عبدوها ، والصحابى لا يريد عبادة شجرة ، لكن يريد تعليق السلاح فقط ، فقال : الله أَكبر ، هذا كما قال قوم موسى له « اجعل لنا إِلها كما لهم آلهة » لتتبعن سنن من قبلكم حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه ، أَو ركبوا متن ضباة لركبتموها « ومال إِلى شجرة أَدنى منها واستظل تحتها ، ﴿ قَالَ ﴾ موسى ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ ﴾ ذكر لفظ القوم إِيضاحا لكونهم جماعة معلومة مخصوصة موسومة بما يذمهم به من الجهل ﴿ تَجْهَلُونَ ﴾ تعتادون الجهل حتى جعلتم الإِشراك بالله بدلا من شكره وزيادة عبادته على إِنجائكم من آل فرعون وقومه وإِهلاكهم ، ولكون تجهلون بمعنى تعتادون الجهل كان لازما ، ولا يحسن أَن يقال هو متعد حذف مفعوله للعموم لأَنهم لا يجهلون كل شئ ، وليس المقام لأَن يقال : جهلوا كل شئٍ ، إِلا أَن يراد بالعموم كثرة جهلهم ، وحاصله أَنكم جاهلون بحقيقة الأُلوهية أَو الجهل مطلق السفه الشامل لذلك .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٠٩٢