التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب من التعازي والمواعظ

الجزء ١ · صفحة ١٢

وقال خالد بن عطية قال عمر بن عبد العزيز عند وفاة ابنه عبد الملك: الحمد لله الذي جعل الموت حتماً واجباً على خلقه، ثم سوى فيه بينهم، فقال: كل نفس ذائقة الموت. فليعلم ذوو النهى صائرون إلى قبورهم، مفردون بأعمالهم، واعلموا أن عند الله مسألةً فاحصةً فقال جل وعز: فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون.

وقال يحيى بن إسماعيل بن أبي المهاجر عن أبيه: استشهد ابن لأبي أمامة الحمصي فكتب عمر إلى أبي أمامة: الحمد لله على آلائه وقضائه وحسن بلائه. قد بلغني الذي ساق الله إلى عبد الله بن أبي أمامة من الشهادة. فقد عاش بحمد الله مأموناً، وأفضى إلى الآخرة شهيداً، وقد وصل إليكم من الله خير كثير إن شاء الله.

وقال يزيد بن عمر الكلابي: قال رجل لعمر بن عبد العزيز عند وفاة ابنه عبد الملك: الطويل

تعزّ أمير المؤمنين فإنّه … لما قد ترى يغذى الصّغير ويولد

هل ابنك إلاّ من سلالةٍ آدمٍ … لكلٍّ على حوض المنيّة مورد

وقال أبو البيداء الأسدي عن شيخ من أهل الحرة، أن عمر بن عبد العزيز خطب الناس بعد وفاة ابنه عبد الملك، ونهى عن البكاء عليه، وقال: إن الله جل ذكره لم يجعل لمسيء ولا لمحسن خلوداً في الدنيا، ولم يرض بما أعجب أهلها ثواباً لأهل طاعته، ولا ببلائها عقوبةً لأهل معصيته، فكل ما فيها من محبوب متروك، وكل ما فيها من مكروه مضمحل. كتب على أهلها الفناء، وأخبر أنه يرث الأرض ومن عليها. فاتقوا الله، واعملوا ليوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً.

ودخل عمر بن عبد العزيز على ابنه عبد الملك وكان موته بالطاعون، وكانوا يقولون: إذا مس الطاعون، وهو قرحة، فوجد ليناً طمع لصاحبه في البرء منه، وإن كان خشناً يئس من صاحبه، فدخل عمر على ابنه فقال: دعني أمس قرحتك، فكره عبد الملك أن يمسها أبوه فيجزع، وكانت خشنةً، فقال أو تعفيني يا أمير المؤمنين ؟ فعلم عمر لم منعه، فقال ولم يا بني ؟ فوالله لأن أقدمك فأجدك في ميزاني أحب إلي من أن تقدمني فتجدني في ميزانك. فقال: وأنا والله يا أمير المؤمنين لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب. فلمسها فقال: يا عبد الملك، الحق من ربك، فلا تكونن من الممترين. فقال. ستجدني إن شاء الله من الصابرين.

وروى عبد الله بن مسلم وغيره أن خنساء دخلت على عائشة أم المؤمنين وعليها صدار من شعر، فقالت لها: يا خنساء، أتتخذين الصدار وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ؟ فقالت: يا أم المؤمنين، إن زوجي كان رجلاً متلافاً فأملقنا فقال: لو أتيت معاوية فاستعنته ؟! فلقيني صخر أخي فقال: اين تريدين فأخبرته، فشاطرني ماله فأتلفه زوجي، ففعل ذلك ثلاث مرات، فقالت امرأته: لو أعطيتها من شرارها، تعنى الإبل، فسمعته يقول: مشطور الرجز

والله لا أمنحها شرارها … ولو هلكت عطّلت خمارها

واتّخذت من شعرٍ صدارها

فلما هلك اتخذت هذا الصدار، ونذرت لا أضعه حتى أموت.

وقال أبو محمود: قالت الخنساء: كنت أبكى صخراً على ما فاته من الحياة، فأنا اليوم أبكي له من النار.

ويروى أن عائشة رضي الله عنها أنشدتها الخنساء بعض أشعارها في صخر، أحسبه قولها: الوافر

ألا يا صخر إن أبكيت عيني … لقد أضحكتني دهراً طويلا

بكيتك في نساءٍ معولاتٍ … وكنت أحقّ من أبدى العويلا

دفعت بك الخطوب وأنت حيٌّ … فمن ذا يدفع الخطب الجليلا ؟

إذا قبح البكاء على قتيلٍ … رأيت بكاءك الحسن الجميلا

فقالت لها عائشة: أتبكين صخراً وإنما هو جمرة في النار ؟ قالت: يا أم المؤمنين، ذلك والله أشد لجزعي عليه.

وقال مسلمة: لما قتل عبد الله بن عامر بن مسمع بالزاوية أتوا الحجاج برأسه، فقال اذهبوا برأسه إلى عامر بن مسمع يعني أباه فأتوه به، فجعله في ثوبه وأقبل به إلي الحجاج وهو يبكي، فقال: أجزعت عليه ؟ فقال لا، بل جزعت له من النار. فإن رأى الأمير أن يأذن لي في دفنه، فأذن له، فدفنه.

١٢ / ٧٩