وصية معاوية بن أبي سفيان
الجزء ١ · صفحة ٢٩أخو الجود معروفٌ له الجود والنّدى … حليفان ما قامت تعارٌ ويذبل
باب وصايا
قال أبو العباس: ونذكر وصايا يؤثر بعضها عن أهل الدين وبعضها عن أهل الآداب والطبائع المحمودة. وقد تجتر إلى أنفسها غير ذلك من سائر الوصايا. ثم نعود إن شاء الله تعالى إلى التعازي بالمنثور والموصوف. وبالله الحول والقوة، ونشوبه بشيء من الاعتبار:
وصية أبي بكر الصديق
رحمه الله
قال فطر بن خليفة عن عبد الرحمن بن سابط قال: أوصى أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب رحمه الله حين استخلفه فقال: إني مستخلفك، وأوصيك بتقوى الله يا عمر، إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وعملاً بالنهار لا يقبله بالليل. واعلم أنه لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة وأنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق. ويحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلاً. وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا. ويحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفاً.
إن الله جل ذكره ذكر أهل الجنة بحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتهم فقل إني لأخاف ألا أكون من هؤلاء. وذكر أهل النار بسوء أعمالهم، فإذا ذكرتهم فقل إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء. وذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون العبد راغباً راهباً لا يتمنى على على الله غير الحق، ولا يلقي بيده إلى التهلكة. فإن حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت ولست بمعجزه.
وصية عمر بن الخطاب
رحمه الله
قال فطر بن خليفة وغيره: دعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند موته عبد الله بن عمر فقال: أي بني: إذا قام الخليفة بعدي فائته فقل إن عمر يقرأ عليك السلام ويوصيك بتقوى الله لا شريك له، ويوصيك بالمهاجرين الأولين خيراً: أن تعرف لهم سابقتهم. ويوصيك بالأنصار خيراً: أن تقبل من محسنهم وتتجاوز عن مسيئهم. ويوصيك بأهل الأمصار خيراً، فإنهم غيظ العدو وجباة الفيء، لا تحمل فيئهم إلا عن فضل منهم. ويوصيك بأهل البادية خيراً، فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام: أن تأخذ من حواشي أموالهم فترد على فقرائهم. ويوصيك بأهل الذمة خيراً: أن تقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا فوق طاقتهم.
وصية علي بن أبي طالب
رحمه الله
قال لوط بن يحيى: حدثني عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال: دخلت على علي بن أبي طالب أسأل عنه حين ضربه ابن ملجم لعنه الله. فقمت ولم أجلس لمكان ابنة له دخلت عليه وهي مستترة، فدعا الحسن والحسين رحمهما الله فقال: إني أوصيكما بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شيء منها زوي عنكما. قولا الحق، وارحما اليتيم، وأعينا الضالع، واصنعا للآخرة، وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً، ولا تأخذ كما في الله لومة لائم.
ثم نظر إلى ابن الحنفية فقال له: فهمت ما أوصيت به أخويك ؟ قال: نعم. قال: أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك، وتزيين أمرهما، ولا تقطع أمراً دونهما ثم قال: وأوصيكما به فإنه شقيقكما، وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباه كان يحبه فأحباه.
وصية معاوية بن أبي سفيان
رحمه الله
قال عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب: لما ثقل معاوية، بعث إلى يزيد وهو في ضياعه، فأتاه غلام له يقال له عجلان، فأخبره بثقل أبيه، فأقبل وقد قال في ذلك شعراً: البسيط
جاء البريد بقرطاسٍ يخبّ به … فأوجس القلب من قرطاسه جزعا
قلنا: لك الويل ماذا في صحيفتكم … قال: الخليفة أمسى مثبتاً وجعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا … كأنّ أغبر من أركانها انصدعا
ثمّت ملنا إلى عيسٍ مزمّمةٍ … نغشى الفجاج بها لا نأتلي سرعا
لسنا نبالي إذا بلّغن أرحلنا … ما مات منهنّ بالبيداء أو ظلعا
حتّى دفعنا لرأس النّاس كلّهم … هدياً، وخيرهم فعلاً ومصطنعا
من لم تزل نفسه توفي على شرفٍ … توشك مقادير تلك النّفس أن تقعا
لمّا انتهينا وباب الدّار منصفقٌ … لصوت رملة ريع القلب فانقلعا