التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب مراث من أشعار المحدثين

الجزء ١ · صفحة ٣٨

وقال: لما هلك ابن معاذ بن جبل، كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد. فإن أنفسنا وأهلينا وأموالنا ودائع الله جل ذكره وعواريه المستودعة يمتع بها من يشاء إلى أجل معدود، ويقبضها لوقت معلوم، فأمرنا بالشكر إذ أعطانا، وبالصبر إذ ابتلانا، فكان ابنك من مواهب الله الهنية، ومن عواريه المستودعة يمتع بها من يشاء إلى أجل معدود، ويقبضها لوقت معلوم. وقد متعك الله به، في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كبير، فالصلاة والرحمة والهدى، يا معاذ إن صبرت واحتسبت. فلا يذهبن جزعك أجرك فتندم على ما فاتك. فإنك لم قدمت على ثواب مصيبتك، قد أرضيت ربك وتنجزت موعوده علمت أن المصيبة قد قصرت عنك. واعلم أن الجزع لا يرد ميتاً ولا يدفع حزناً. فأحسن العزاء، وتنجز الموعود، وليذهب أسفك ما هو نازل بك فكأن قد.

ولما مات مسمع جاء شبيب بن شيبة حتى أخذ بالباب الذي فيه ولده وأهله وبنو عمه فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم قال: الكامل

بكّوا حذيفة لن ترثّوا مثله … حتّى تبيد قبائلٌ لم تخلق

قال الأصمعي: مر رجل على بعض مقابر العرب فإذا هو بشيخ قاعد على شفير قبر، وبين يديه فتية كأنهم الرماح يدفنون رجلاً، والشيخ يقول: الرجز

أحثوا على الدّيسم من برد الثّرى … قدماً أبى ربّك إلاّ ما ترى

قال: فسألت الشيخ: من الميت ؟ فقال: ابني. فقلت: فمن هؤلاء ؟ قال: بنوه.

وقال أبو جعفر الدمشقي: حدثنا أبو بكر السلمي عن المعافى بن عمران عن شهاب بن خراش عن عبد الرحمن بن عثمان قال: دخلنا على معاذ بن جبل وهو قاعد عند رأس ابن له يجود بنفسه، فما ملكنا أنفسنا أن ذرفت أعيننا وانتحب بعضنا فزجره معاذ وقال: مه، فوالله لعلم الله برضاي بهذا أحب إلي من كل غزوة غزوتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني سمعته يقول: من كان له ابن وكان عليه عزيزاً وبه ضنيناً، فصبر على مصيبته واحتسبه أبدل الله الميت داراً خيراً من داره، وقراراً خيراً من قراره، وأبد المصاب الصلاة والرحمة والمغفرة والرضوان. فما برحنا حتى قضى الغلام حين أخذ المنادي في النداء لصلاة الظهر، فرحنا نريد الصلاة فما جئنا إلا وقد غسله وحنطه وكفنه ودخل بسريره غير منتظر لشهادة الإخوان ولا لجمع الجيران.

قال: فلما بلغنا ذلك تلاحقناه فقلنا: يغفر الله لك يا أبا عبد الرحمن، هلا انتظرتنا حتى نفرغ من صلاتنا ونشهد ابن أخينا. فقال: أمرنا ألا ننتظر بموتانا ساعةً، ماتوا من ليل أو نهار. والإذن فيهم من نعي الجاهلية. قال: فنزل في القبر ونزل معه آخر فقلت: الثالث يا أبا عبد الرحمن، فقال: إنما يقول الثالث الذين لا يعلمون. فلما سوى عليه التراب أراد الخروج فناولته يدي لأنتشطه من القبر فأبى وقال: ما أدع ذلك لفضل قوة، ولكن أكره أن يرى الجاهل أن ذلك مني جزع أو استرخاء عند المصيبة. ثم أتى مجلسه فدعا بدهن فادهن بكحل فاكتحل وببردة فلبسها، وأكثر في يومه ذلك من التبسم، ينوي به ما ينوي، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. في الله خلف من كل هالك، وعزاء من كل مصيبة، ودرك لكل ما فات. وقال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: من أصيب بمصيبة فدعا عليها ويلاً غضب الله عليه، ومن لطم عليها وجهاً احتجب الله عنه، ومن خرق عليها ثوباً خرق دينه ومزقه وبدده.

قال: فلما كان طاعون عمواس طعن معاذ في يده، فدخلنا عليه فرأيناه مغمىً عليه، باسطاً يده كأنه يصافح قوماً ويرحب بهم. فلما أفاق قلنا له: يا أبا عبد الرحمن، دخلنا عليك وكأنك تصافح قوماً وترحب بهم. فقال: أجل، شكرني ربي بصبري على ابني فأرسل إلي ملائكة من الكروبيين يشيعوني إلى قبري.

باب مراث من أشعار المحدثين

قال أبو العباس: وقصدنا في وقتنا هذا لذكر مراث من أشعار المحدثين لننزل بها من خشونة أشعار القدماء إلى لطف المولدين لمشاكلة الدهر وملاحة القول لنمضي من ذلك شيئاً ثم نعود إلى أمرنا الأول إن شاء الله تعالى من أشعار قديمة ومواعظ حكيمة. وبالله الحول والقوة.

قال مسلم بن الوليد يرثي الفضل بن سهل ذا الرئاستين: الطويل

وهلت فلم أمتع عليك بعبرةٍ … وأكبرت أن ألقى بيومك ناعيا

٣٨ / ٧٩