التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب من التعازي والتعزي في الأشعار

الجزء ١ · صفحة ١٨

قال أبو العباس: وكان بسر قد قتل خلقاً باليمن. يقول بعضهم: حتى أخاض الخيل في الدماء. وكان في من قتل طفلان لعبيد الله بن العباس أخذهما من الكتاب. فروي أنه قتلهما وهما يقولان: يا عم لا نعود ؟ وأما الرواية الفاشية التي كأنها إجماع، فإنه أخذهما من تحت ذيل أمهما وهي امرأة من بني الحارث بن كعب، ففي ذلك تقول لما خرج بهما من عندها: مجزوء الوافر

ألا من بيّن الأخوي … ن أمّهما هي الثّكلى

تسائل من رأى ابنيها … وتستبغي فما تبغى

وقالت أيضاً: البسيط

يا من أحسّ بنيّيّ اللّذين هما … كالدّرّتين تشظّى عنهما الصّدف

يا من أحسّ بنيّيّ اللّذين هما … قلبي وطرفي فقلبي اليوم مختطف

يا من أحسّ بنيّيّ اللّذين هما … مخّ العظام، فمخّي اليوم مزدهف

نبّئت بسراً وما صدّقت ما ذكروا … من قولهم ومن الإفك الّذي اقترفوا

أنحى على ودجي شبليّ مرهفةً … بغياً، كذا وعظيم البغي يقترف

قال أبو الحسن: مات الحسن بن الحصين، أبو عبيد الله بن الحسن وعبيد الله يومئذ قاضي البصرة وأميرها فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره، فأجمعوا على أنه إذا ترك شيئاً كان يصنعه فقد جزع، فأتاه صالح المري فعزاه فقال له: يا هذا، إن كانت مصيبتك أحدثت لك عظة في نفسك فنعم المصيبة مصيبتك. وإن كانت لم تحدث لك عظة في نفسك فمصيبتك في نفسك أعظم من مصيبتك بأبيك وأخبر عن عامر بن حصين والمثني بن عبد الله قالا: مات أخ لمحمد ابن سيرين فجزع عليه، فلما كان في مؤخر الدار ذكر أنه لم يسرح لحيته. فجلس ودعا بمشط، فسرح لحيته ورأسه ثم خرج.

وقال الأصمعي: كان ابن سيرين يترجل غباً، فجاءه نعي أخيه في يوم ترجله فترجل.

وأخبر أبو الحسن عن عبد الله بن مرة عن بعض أشياخه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للخنساء: ما أقرح مآقي عينيك ؟ قالت: بكائي على السادات من مضر ؟؟! قال: يا خنساء، إنهم في النار. قالت: ذاك أطول لعويلي عليهم.

وقال عن أبي محمود: قالت الخنساء: كنت أبكي لصخر على الحياة فأنا اليوم أبكي له من النار.

وأخبر عن محمد بن عبد الحميد قال: نعى رجل لرجل ابنه فقال: قد نعي إلي قبل ذلك، قال: ومن أعلمك بموته، وما نعاه غيري ممن يعرفك ؟ قال: نعاه الله حيث يقول لنبيه: إنك ميت وإنهم ميتون.

وأخبرني عن أبي المقدام، وكان كبيراً، أدرك سعيد بن المسيب قال: بلغني أن أبا مسلم الخولاني كان يقول: لأن أقدم سقطاً أحب إلي من أن أدع مئة من خولان، ولأن أقدم فرطاً أحب إلي من أن أخلف خولان كلها.

باب من التعازي والتعزي في الأشعار

قالت ليلى الأخيلية، قال أبو العباس: قرأته على الرياشي: الطويل

أقسمت أبكي بعد توبة هالكاً … وأحفل من دارت عليه الدّوائر

لعمرك ما بالموت عارٌ على الفتى … إذا لم تصبه في الحياة المعاير

فلا الحيّ ممّا يحدث الدّهر سالمٌ … ولا الميت إن لم يصبر الحيّ ناشر

وكلّ شبابٍ أو جديدٍ إلى بلىً … وكل امريءٍ يوماً إلى الله صائر

فلا يبعدنك الله يا توب هالكاً … أخا الحرب إذ دارت عليك الدّوائر

فأقسمت لا أنفكّ أبكيك ما دعت … على فننٍ ورقاء أو طار طائر

قتيل بني عوفٍ فيا لهفي له … وما كنت إيّاكم عليه أحاذر

قال أبو العباس: وأشعار المراثي كثيرة، وإنما نختار عيوناً من جميعها ومن الشيء آحسنه. وكذلك الكلام غير الشعر. ولم تكن ليلى الأخيلية امرأة لتوبة، ولا بينهما نسب لاصق إلا أنهما جميعاً من بني عقيل بن كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة. وكانت تحبه ويحبها. وروت الرواة أن خلا بها مرة فأرادها على ما يريد الرجال، فأبت واشمأزت. ففي ذل تقول: الطويل

وذي حاجةٍ قلنا له لا تبح بها … فليس إليها ما حييت سبيل

لنا صاحبٌ لا ينبغي أن نخونه … وأنت لأخرى صاحبٌ وخليل

فأقاما دهراً على حب عفيف، وهي السنة الجارية في العشاق الماضين من بني عذرة، وغيرهم.

١٨ / ٧٩