باب من الشعر
الجزء ١ · صفحة ٣قال: ومن أحسن التعزية إبلاغ في إيجاز. قال أبو الحسن: ومن أحسن ما سمعنا في ذلك عن أبي الحكم الليثي عن شيبة بن نصاح قال: لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم صرخت أسماء بنت عميس، فنادى مناد من ناحية البيت، يسمعون حسه ولا يرون شخصه: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، أعلى رسول الله تبكون، أم على رسول الله تصرخون ؟ فقالت أسماء: ما على رسول الله صلى الله عليه وسلم نبكي ولا على رسول الله نصرخ، ولكن على انقطاع الوحي عنا. قال: ثم نادى الثانية: كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وعوضاً من كل مرزئة، ودركاً من كل فائت، وخلفاً من كل هالك. فبالله فثقوا، وإياه فارجوا. المحبور من حبره الثواب، والخائب من أمن العقاب.
قال أبو الحسن عن الحسن بن دينار عن علي بن زيد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع إبراهيم في حجره وهو يجود بنفسه فقال: لو لا أن الماضي فرط الباقي وأن الآخر لاحق بالأول لحزنا عليك يا إبراهيم. ثم دمعت عينه فقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب. وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون.
قال أبو الحسن: أخبرنا عن مسلمة عن أبان عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لأن أقدم فرطاً أحب إلي من أن أدع مئة مستلئم. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من عزى مصاباً فله مثل أجره قال أبو الحسن عن بعض أصحابه قال: عزى أبو بكر عمر على طفلٍ له، فقال: عوضك الله منه ما عوضه منك.
تفسير هذا أنه يقال: إن الطفل يعوض من أبويه الجنة.
قال أبو الحسن عن أبي بكر عن أبي المليح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله جل ذكره: إذا أخذت صفي عبدي فصبر لم أرض له ثواباً دون الجنة.
باب من الشعر
مراثي الجاهلية المشهورة المستحسنة المستجادة المقدمة معلومة موسومة منها قصيدة متمم بن نويرة في أخيه مالك، على أن سائر أشعاره غير مذموم، وان تقدمتهن العينية التي أولها. الطويل
لعمري وما دهري بتأبين هالكٍ … ولا جزعٍ ممّا أصاب فأوجعا
ومنها قصيدة دريد في أخيه عبد الله التي أولها الطويل
أرثّ جديد الحبل من أمّ معبد … بعاقبةٍ وأخلفت كلّ موعد
ومنها قصيدة كعب بن سعد الغنوي يرثي فيها أخاه، وهي التي أولها: الطويل
تقول سليمى ما لجسمك شاحباً … كأنّك يحميك الشّراب طبيب ؟
ومنها قصيدة أعشى باهلة، أبي قحافة وهي التي أولها: البسيط
إنّي أتتني لسانٌ لا أسرّ بها … من علو لا عجبٌ منها ولا سخر
ومراثي الخنساء ومراثي ليلى الأخيلية، وسنذكر من ذلك طرفاً، ومن مراثي أوس بن حجر في فضالة بن كلدة الأسدي، ومراثي لبيد في أخيه أربد، وعدي المهلهل فيمن بكاه من قومه اختيارات بارعة وننبه على ما فيها ولمن اختيرت ثم ننحط إلى شعر الإسلام من قديم ومحدث وما بينهما إن شاء الله. ونفصل ذلك بالمواعظ كلاماً وشعراً والتعازي على ما يحضر ونوفق له إن شاء الله.
فمما اخترنا من قصيدة متمم وكان الذي تولى قتل أخيه بأمر خالد بن الوليد بن المغيرة ضرار بن الأزور الأسدي وحدثنا التوزي في إسناد أن ضراراً هذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم ففعل وقال: المتقارب
تركت الخمور وضرب القدا … ح واللّهو تصليةً وابتهالا
وكرّي المحبّر في غمرةٍ … وشدّي على المشركين القتالا
فيا ربّ لا أغبنن صفقتي … فقد بعت أهلي ومالي بدالا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما غبنت صفقتك يا ضرار.
ثم نرجع إلى اختيارنا من العينية، ففيها من حر الكلام وصادق المدح قوله: الطويل
إذا ابتدر القوم القداح وأوقدت … لهم نار أيسارٍ كفى من تضجّعا
بمثنى الأيادي ثمّ لم تلف مالكاً … على الفرث يحمى اللّحم أن يتمزّعا
وقوله:
وكنّا كندماني جذيمة حقبةً … من الدّهر حتّى قيل لن نتصدّعا
وعشنا بخيرٍ في الحياة وقبلنا … أصاب المنايا رهط كرى وتبّعا