باب من التعازي والمواعظ
الجزء ١ · صفحة ١١قد كانت النّفس لو ساموا الفداء بها … إليك مسمحةً بالأهل والمال
هذا آخر الشعر. قال أبو العباس: قوله لذي أثر يعني سيفاً له فرند وهو الرونق. وقوله: يزم الألف أي يتقدمها كأنه يقودها، يعني فرساً. والخارجي: الذي يخرج بنفسه. أنشدني الرياشي لأعرابي يمدح عبد الله بن جعفر الهاشمي: الوافر
أبا العبّاس، لست بخارجيٍّ … وما إن بحر جودك بانتحال
وقوله: ذات شمراخ فإنما يعني فرساً ذات غرة. والشمراخ من الغرر: السائلة في الوجه إذا دقت وطالت.
وقوله لأشعث ذي طمرين إنما يريد أنه يجبر الفقير. والأطلس: الأغبر، ومن ثم قيل للذئب: اطلس. وإنما نسب الفقير إلى الطلسة لسوء حاله ودناءة لبسته.
والأقوال: الملوك، واحدهم قيل، وأصله قيل فخففوه كما قالوا في الميت: ميت، وفي الهين واللين: هين ولين. وقالوا في الجمع: أقوال كما قالوا في الميت: أموات، ويقولون: هو من مقاولة كندة.
والقسوط: العصيان. يقال: قسط يقسط إذا جار وخالف. قال الله عز وجل: وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا. ويقال: أقسط يقسط إذا عدل، والله يحب المقسطين.
وقوله بين القسوط وبين الدين. يقول: هم بين الطاعة وبين المعصية. والأزوال هم المتصرفون. يقال: رجل زول وقوم أزوال. وأنشدني التوزي: الرجز
وقد أقود بالكرام الأزوال … معدّياً لذات لوثٍ شملال
وقوله واعتلت ملوكهم أي لم يعطوهم شيئاً. فذلك قوله خافوا الأصيلة واعتلت ملوكهم أي خافوا أن يستأصلوا. وقوله: وحملوا أي لزمتهم حمالات وغرم، فهو كان يصلح هذا كله بالنجدة والغرم.
وقوله: وذات أوغال هي هضبة معروفة بعينها والمروت: أرض بعينها فيها نبات ومسايل، وهي من أرض العالية.
وقوله يرمي الضرير بخشب الطلح والضال، الضرير: ضرير الوادي، وهو ناحيته. وقوله: كالمرزباني يريد كسرى، وإنما يعني ها هنا الأسد، فيقول هو منفرد بغيضته تهابهه الأسد أن تنزل معه كما قال أبو زبيد: البسيط
أفرّ عنه بني الخالات جرأته … لا الصّيد يمنع منه وهو ممتنع
وقوله: رفهاً يقول: دائماً، في كل يوم يسقي صداه. وقوله: حملتني ود أقوام يعني أهل بيت فضالة.
باب من التعازي والمواعظ
ثم نعود إن شاء الله إلى الشعر ونصله بمثل هذا والقوة لله جل ذكره.
يروى عن جعفر بن محمد أنه قال: مات أخ لبعض ملوك اليمن فعزاه بعض العرب فقال في تعزيته: اعلم أن الخلق للخالق، والشكر للمنعم، والتسليم للقادر، ولا بد مما هو كائن، ولا سبيل إلى رجوع ما قد فات. وقد أقام معك ما سيذهب عنك أو ستتركه، فما الجزع مما لا بد منه، وما الطمع فيما لا يرجى ؟ وما الحيلة فيما سينقل عنك أو تنتقل عنه ؟ قد مضت لنا أصول نحن فروعها، فما بقاء الفروع بعد أصله. وأحق الأشياء عند المصائب الصبر. وأهل هذه الدنيا سفر لا يحطون الركاب إلا في غيرها. فما أحسن الشكر عند النعم، والتسليم عند الغير. فاعتبر بمن قد رأيت من أهل الجزع، هل رد أحد منهم إلى شيء من درك. واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها. وإنما ابتلاك المنعم وأخذ منك المعطي، وما ترك أكثر. فإن نسيت الصبر فلا تغفل عن الشكر، وكلاً فلا تدع. وما أصغر المصيبة اليوم مع عظم المصيبة في غد، فاستقبل المصيبة بالحسنة تستخلف بها نعماً فإنما نحن في الدنيا أغراض تنتضل فيها المنايا، ونهب المصائب، مع كل جرعة شرق وفي كل أكلة غصص. لا تنال نعمة إلا بفراق أخرى ولا يستقبل معمر يوماً من عمره إلا بهدم آخر من أجله، ولا تحدث له زيادة في أكلة إلا بنفاد ما قبلها من رزق، ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر. فنحن أعوان الحتوف على أنفسنا، وأنفسنا تسوقنا إلى الفناء، فمن أين نرجو البقاء وهذا الليل والنهار لا يرفعان من شيء شرفاً إلا أشرعا في هدم ما رفعا وتفريق ما جمعا فاطلب الخير وأهله، واعلم أن خيراً من الخير معطيه، وشراً من الشر فاعله. والسلام.
قال أبو العباس: وعن جويرية بن أسماء عن عمه أن إخوةً ثلاثة شهدوا يوم تستر، فاستشهدوا، فخرجت أمهم إلى السوق يوماً لبعض شأنها، فتلقاها رجل قد حضر أمرهم فعرفته فسألته عن بنيها. فقال: استشهدوا. فقالت: أمقبلين أم مدبرين ؟ فقال: بل مقبلين. فقالت: الحمد لله، نالوا الفوز وحاطوا الذمار، بنفسي هم وأمي وأبي.