باب من التعازي والمواعظ
الجزء ١ · صفحة ١٣وقال مسلمة بن محارب: قتل معاوية بن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب في الحرب التي كانت بين قتيبة وبين سفيان بن معاوية. فلما ولي سفيان البصرة أرسل إلى خالد بن صفوان أن ابنك قتل، وقتل ابني فأرسلت إليك أتعزى بك وتتعزى بي. فقال: أصلح الله الأمير، أنا وأنت كما قالت الباكية: المجتث
أسعدنني أخواتي … فالويل لي ولكنّه
فقال سفيان: جددت لي حزناً. فقال: أصلح الله الأمير، فليسل عنك ما جددت لك العلم بأنك غير باق.
وقال كليب بن خلف: قال عبد الكريم المازني لعبد الله بن عبد الله ابن الأهتم: كيف كان جزعك على أهل بيتك ؟ فقال: ما ترك حب الغداء والعشاء في قلبي حزناً على أحد.
وقال يزيد بن عياض بن جعدبة: كان عبد الله بن الزبير إذا أصابته مصيبة يقول: إن ابتليت فقد قتل أبي وإمامي عثمان. فصبرت.
وقال قائل لعبد الملك بن مروان: أأدركت قتل أمير المؤمنين عثمان ؟ فقال: نعم. قال: فكيف كان جزعك عليه ؟. قال: شغلني الحنق لأن أدرك بثأره عن الحزن عليه.
وقال أبو عبد الرحمن العجلاني عن إسماعيل بن يسار: مات ابن لأرطاة بن سهية المري، من غطفان، يقال له عمرو، فأقام على قبره حولاً، يأتيه كل غداة فيقول: يا عمرو، هل أنت غاد معي ؟ فلما كان رأس الحول تمثل قول لبيد: الطويل
إلى الحول ثمّ أسم السّلام عليكما … ومن يبك حولاً كاملاً فقد أعتذر
ثم ترك قبر ابنه.
وقال أبو عمرو بن يزيد: مات أخ لمالك بن دينار فبكى وقال: يا أخي لا تقر عيني بعدك حتى أعلم أفي الجنة أنت أم في النار، ولا أعلم ذلك حتى ألحق بك.
وقال مسلمة بن محارب: لما أتت معاوية وفاه زياد استرجع وقال: الطويل
وأفردت سهماً في الكنانة واحداً … سيرمى به أو يكسر السّهم كاسر
وقال أبو زكريا العجلاني وغيره أن معاوية نعي إليه سعيد بن العاصي وعبد الله بن عامر فاسترجع وقال: الطويل
إذا مات من خلف امريءٍ وأمامه … وأفرد من جيرانه فهو سائر
وقال عبد الله بن مسلم: بكى رجل على شاة له أصيب بها فأكثر، فرآه رجل من باهلة يقال له الحارث بن حبيب فقال: السريع
يا أيّها الباكي على شاته … يبكي بكاءً غير إسرار
إنّ الرزيئات وأمثالها … ما لقي الحارث في الدّار
دعا بني معنٍ وأشياعهم … فكلّهم يعدو بمحفار
وكان للحارث المذكور عشرة بنين، فحلب يوماً في علبة ووضعها فمج فيها أسود سالخ، فبعث بالعلبة إلى بنيه، وهو لا يدري، فشربوها فماتوا جميعاً. وقيل: بل كانوا سبعة، فسقط عليهم حائط فقتلهم.
وقال خالد بن يزيد بن بشر: جزع سليمان بن عبد الملك على ابنه أيوب، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، إن رجلاً حدث نفسه بالبقاء لغير جيد الرأي.
وقال صدقة بن عبد الله المازني: مات حنظلة بن عبد الله الأسيدي فجزعت عليه امرأته، فنهتها جاراتها وقلن لها: إن هذا يحبط أجرك، فقالت: السريع
تعجّب الدّهر لمحزونةٍ … تبكي على ذي شيبةٍ شاحب
إن تسأليني اليوم ما شفّني … أخبرك قولاً ليس بالكاذب
إن سواد العين أودى به … حزنٌ على حنظلة الكاتب
وكان حنظلة قد كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال إسحاق بن أيوب وعامر بن حفص ومسلمة بن محارب: قدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه محمد بن عروة فدخل محمد دار الدواب، فضربته دابة فخر ميتاً، ووقعت في رجل عروة الأكلة، ولم يدع ورده تلك الليلة. فقال له الوليد: اقطعها، وإلا أفسدت عليك جسدك، فقطعها بالمنشار وهو شيخ كبير. ولم يمسكه أحد. وقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا.