التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب من التعازي والمواعظ

الجزء ١ · صفحة ١٧

وقال أبو الحسن: لما هلك ابن عمر بن ذر وقف عليه أبوه وهو مسجىً فقال: يا بني، ما علينا من موتك غضاضة، وما بنا إلى أحد سوى الله من حاجة. فلما دفن قام على قبره فقال: يا ذر غفر الله لك، لقد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك، لأنا لا ندري ما قلت وما قيل لك. اللهم، إني قد وهبت له ما قصر فيه مما افترضته عليه من حقي، فهب لي ما قصر فيه من حقك، واجعل ثوابي عليه له، وزدني من فضلك فإني إليك من الراغبين ؟ فسئل عنه فقيل: كيف كان معك ؟ فقال: ما مشيت معه بليل قط إلا كان أمامي، ولا بنهار قط إلا كان خلفي، وما علا سطحاً قط وأنا تحته.

قال أبو الحسن: أخبرني بعض قريش، يرفع الحديث إلى ابن عباس قال: هلك رجل من أهل المدينة فشهد جنازته عبد الله بن العباس رضي الله عنهما فلما دفن الرجل قال بعض من شهده: ليت شعري إلى ماذا صار صاحبنا ؟ فسمعه ابن عباس فقال: أما تدري ؟ قال: لا والله، قال: لكني والله، أدري، قال الله جل ثناؤه: فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم. وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم، وليس صاحبنا من المكذبين الضالين. فإن أخطأه أن يكون من المقربين فلن يخطئه أن يكون من أصحاب اليمين. قال: ففرح جميع القوم بما سمعوا.

وقال عن عوانة: لما بلغ خالد بن الوليد موت أبي بكر رضي الله عنه قال: الحمد لله الذي أمات أحب خلقه إلي، واستخلف أبغض الأمة إلي. وقد استخلف عليكم أمين أمتكم، يعني أبا عبيدة بن الجراح.

وقال الأصمعي: قام خالد بن الوليد على رأس أبي عبيدة، فستره بردائه من الشمس، فقيل له: ما أردت إلى هذا ؟ قال: أردت إعزاز الإسلام.

وقال أبو الحسن عن محمد بن الفضل عن أبي حازم قال: مات عقبة بن عياض بن غنم الفهري فعزى رجل أباه فقال: لا تجزع عليه، فقد قتل شهيداً وكان من سادة الجيش فقال: وكيف لا أصبر وقد كان في حياته زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات.

وأخبر عن عامر بن الأسود قال: استشهد لمولىً لبني نوفل بنون، فعزاه رجل فقال: آجرك الله في الباقين، ومتعك بالفانين. فقال له رجل لعلك غلطت. فقال: لا، إن الله يقول: ما عندكم ينفد وما عند الله باق.

وأخبر عن عمر بن مجاشع قال: قال نافع، مولى عمر بن الخطاب: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: نسأل الله تمام النعمة. فقال: أتدري ما تمام النعمة ؟. إن تمام النعمة النجاة من النار.

وسمع صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: اللهم، ارزقني صبراً. فقال: يا عبد الله، سألت بلاءً، فاسأله الله العافية.

وعن عمر بن مجاشع قال: قال رجل لابن عمر وعزاه: أعظم الله أجرك. فقال ابن عمر: نسأل الله العافية.

قال: وهذا حديث نمليه وقد مضى في صدر الكتاب ناقصاً فأتممناه في هذا الموضع ليتوفر ويتصل به ما بعده: تحدث المدائني عن يعقوب بن داود عن بعض أشياخه أن عبيد الله ابن العباس بن عبد المطلب كان عاملاً لعلي بن أبي طالب عليه رضي الله عنه السلام على اليمن، فخرج إلى علي، واستخلف على صنعاء عمرو بن أراكة الثقفي. فوجه معاوية بسر بن أرطاة، أحد بني عامر بن لؤي، فقتل عمرو ابن أراكة فيمن قتل. فجزع عليه أخوه عبد الله. فقال أبوه: الطويل

لعمري لئن أتبعت عينيك ما مضى … به الدّهر أو ساق الحمام إلى القبر

لتستنفدن ماء الشّؤون بأسره … ولو كنت تمريهنّ من ثبج البحر

لعمري لقد أردى ابن أرطاة فارساً … بصنعاء كاللّيث الهزبر أبي الأجر

فقلت لعبد الله إذ حنّ باكياً … تعزّ، وماء العين منحدرٌ يجري

وأنشدني التوزي عن أبي زيد: إذ خن باكياً

تبيّن فإن كان البكا ردّ هالكاً … على أحدٍ، فاجهد بكاك على عمرو

ولا تبك ميتاً بعد ميتٍ أجنّه … علي وعبّاسٌ وآل أبي بكر

١٧ / ٧٩