التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب من التعازي والمواعظ

الجزء ١ · صفحة ١٦

وقال أبو الحسن: دخل مسلمة على عمر في مرضه، فقال: يا أمير المؤمنين، ألا توصي ؟ قال: وهل لي مال أوصي فيه ؟ فقال مسلمة: هذه مئة ألف أبعث بها إليك فهي لك أوص فيها. قال: فهلا غير ذلك يا مسلمة ؟ فقال: وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال: تردها من حيث أخذتها. فبكى مسلمة وقال: يرحمك الله، فقد ألنت منا قلوباً كانت قاسية، وزرعت لنا في قلوب المؤمنين مودة، وأبقيت لنا في الصالحين ذكراً.

وقال أبو الحسن عن سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو بن علقمة قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: ما أنعم الله على عبد نعمةً فانتزعها منه وعاضه من ذلك الصبر إلا كان ما عوضه أفضل مما انتزع منه. ثم قرأ: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.

وقال مقسم، وهو مولىً لبعض أهل المدينة، يرثي عمر بن عبد العزيز رحمه الله: البسيط

لو أعظم الموت خلقاً أن يلاقيه … لأعظم الموت أن يلقاك يا عمر

لهفي عليك ولهف الموجعين معي … على العدول الّتي تعيى لها الجفر

ثلاثةٌ لا ترى عينٌ لهم شبهاً … تضمّ أعظمهم في المسجد الجدر

فقد بلغت ولم تبلغ فعالهم … ما فوقه لإمامٍ مبصرٍ بصر

قال أبو الحسن: قال محمد بن حرب الهلالي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عزى يقول: آجركم الله ورحمكم. وإذا هنأ قال: بارك الله لكم وبارك عليكم.

وقال ابن الأعرابي: وقف جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس على قبر أخيه محمد بن سليمان فقال: اللهم إني أمسيت أرجوك له وأخافك عليه، اللهم فصدق رجائي وأمن خوفي، إنك على كل شيء قدير.

قال الأصمعي: ولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كعب بن سور قضاء البصرة. قال أبو العباس: وكان سبب ذلك أنه حضر مجلس عمر، فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي صوام، قوام. فقال عمر: إن هذا لرجل صالح، ليتني كنت كذا. فردت عليه الكلام فقال عمر كما قال. فقال كعب بن سور الأزدي: يا أمير المؤمنين، إنها تشكو زوجها، تخبر أنه ليس لها منه حظ. فقال: علي بزوجها. فأتي به، فقال له: ما بالها تشكوك، وما رأيت امرأة أكرم شكوى منها ؟ فقال: يا أمير المؤمنين: الرجز

إنّي امرؤٌ أفزعني ما قد نزل … في الحجر والنّحل وفي السّبع الطّول

فقال له كعب: الرجز

إنّ لها عليك حقّاً يا بعل … فأوفها الحقّ وصم ثمّ وصلّ

فقال عمر لكعب: اقض بينهما. فقال: نعم، يا أمير المؤمنين، أحل الله للرجل أربعاً، فأوجب لكل واحدة ليلة، فلها في كل أربع ليال ليلة، ويصنع بنفسه في الثلاث ما شاء. فألزمه ذلك. وقال لكعب: اخرج قاضياً على البصرة.

قال أبو العباس: اتصل هذا بخبر الأصمعي.

فلم يزل عليها حتى قتل عثمان. فلما كان يوم الجمل، خرج مع أهل البصرة وفي عنقه مصحف، فقتل هو يومئذ وثلاثة إخوة له أو أربعة. فجاءت أمهم فوجدتهم في القتلى، فحملتهم وجعلت تقول: المتقارب

أيا عين بكّي بدمعٍ سرب … على فتيةٍ من خيار العرب

فما ضرّهم غير حين النّفو … س أيّ أميري قريشٍ غلب

وقال أبو الحسن: أخبرني مخبر قال: كتب غيلان إلى رجل من إخوانه أصيب بابنه فجزع عليه: أما بعد. فإن الله أعطاك هبته، وجعل عليك أدبه ومؤنته، وأنت تخشى فتنته، فاشتد بذلك سرورك. فلما قبض الله هبته، وكفاك أدبه ومؤنته، وأمنت فتنته، اشتد لذلك جزعك، فأقسم بالله أن لو كنت تقياً لعزيت على ما هنئت عليه، ولهنئت على ما عزيت عليه. فإذا أتاك كتابي فاصبر على الأمر الذي لا غنى بك عن ثوابه، ولا صبر لك على عقابه. واعلم أن كل مصيبة لم يذهب فرح ثوابها حزنها، فذلك الحزن الدائم.

١٦ / ٧٩