التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب من التعازي والتعزي في الأشعار

الجزء ١ · صفحة ١٩

وكان سبب قتل توبة أن بني عوف كانوا يطلبونه فأحسوه، وقد قدم من سفر معه عبيد الله بن الحمير، أخوه، وقابض، مولاه. وبينه وبين الحي ليلة، فأتوه طروقاً، فهرب صاحباه وأسلماه فقتل. ففي ذلك تقول ليلى: الطويل

دعا قابضاً والمرهفات تنوشه … فقبّحت مدعوّاً ولبّيت داعيا

فليت عبيد الله حلّ محلّه … فأودى ولم أسمع لتوبة ناعيا

وقالت: الطويل

عيني على الحزم ألا فابكي على أبن حميّر … بدمعٍ كفيض الجدول المتفجّر

لتبك عليه من خفاجة نسوةٌ … بماء شؤون العبرة المتحدّر

خفاجة بن عقيل.

سمعن بهيجا أوجفت فذكرنه … وقد يبعث الأحزان طول التّذكّر

كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخ … بنجدٍ ولم يطلع مع المتغوّر

ولم يرد الماء السّدام إذا بدا … سنا الصّبح في أعقاب أخضر مدبر

السدام: الآبار القديمة المندفنة. وجمعها سدوم وقولها: سنا الصبح، السنا: من الضوء، مقصور كقول الله جل وعز: يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار. والسناء: من الشرف، ممدود.

وقولها: في أعقاب أخضر مدبر، تعني الليل، تريد بأخضر: أسود. وجعلته مدبراً لورود الصبح.

ولم يقدع الخصم الألدّ ويملأ ال … جفان سديفاً يوم نكباء صرصر

النكباء: الريح بين الريحين. والسديف: شقق السنام، والصرصر: الريح الشديدة الصوت، الباردة.

ألا ربّ مكروبٍ أجبت ونائلٍ … فعلت، ومعروفٍ لديك ومنكر

فيا توب للمولى، ويا توب للنّدى … ويا توب للمستنبح المتنوّر

فقال لها رجل: ما كان توبة كما ذكرت. وقلت فتى الفتيان وما كان كذاك. فقالت: إن كنت كاذباً فأشل الله عشرك، وأدام فقرك. كان والله شديد المرة، لين العطفة، يرضيه أقل مما يسخطه.

وقال أيضاً: الطويل

نظرت وركنٌ من أبانين دونه … مفاوز حسمى أيّ نظرة ناظر

كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخ … قلائص يفحصن الحصى بالكراكر

ولم يبن أبراداً عتاقاً لفتيةٍ … كرامٍ ويرحل قبل فيء الهواجر

فتىً لا تخطّاه الرّفاق ولا يرى … لقدرٍ عيالاً دون جارٍ مجاور

فإن تكن القتلى بواءً فإنّكم … فتىً ما قتلتم آل عوف بن عامر

البواء: الأمثال. يقال: باء فلان بفلان إذا قتل به. تقول: فإن تكن القتلى يبوء بعضها ببعض، فإن توبة فوق ذلك.

وأما قوله جل وعز: إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك، إنما هو إن فعلت أن تحتمل الإثمين المتساويين: الذي رد عليك قربانك فلم يقبل من أجله، وقتلك إياي، وكان كل واحد منهما كفاء الآخر. هذا اشتقاق هذا المعنى. ومن ذلك قول مهلهل بن ربيعة حين قتل بجير بن الحارث بن عباد: بؤ بشسع كليب، فقيل للحارث بن عباد: إن ابنك بجيراً قد قتل. قال: إنه لأعظم قتيل بركة إن أصلح الله به بين ابني وائل. قيل: إن مهلهلاً لما قتله قال: بؤ بشسع كليب. فعند ذلك دخل الحارث في حربهم ولم يكن دخلها.

رجع الشعر

وإلاّ يكن فيها بواءٌ فإنّكم … ستلقون يوماً سرّه غير صادر

وكنت إذا مولاك خاف ظلامةً … دعاك ولم يعدل سواك بناصر

وقد كنت مرهوب الجنان وبيّناً … ومجدام سيرٍ دائباً غير فاتر

فنعم الفتى إن كان توبة فاجراً … وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر

أتته المنايا دون درعٍ حصينةٍ … وأسمر خطّيٍّ وجرداء ضامر

فبالله تبني بيتها أمٌّ عاصمٍ … على مثله أخرى اللّيالي الغوابر

وروت الرواة أنها زارت قبره، فجعلت تقول: يا توبة، يا توبة ! ثم أقبلت على من معها بعد أن سلمت على القبر. فقالت: ما كذبني قبلها. فقيل: فيم ذاك، وما تبينا منه كذباً. قالت لأنه قال في بعض قوله: الطويل

ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت … عليّ ودوني تربةٌ وصفائح

لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا … إليها صدىً من داخل القبر صائح

١٩ / ٧٩