باب من التعازي والتعزي في الأشعار
الجزء ١ · صفحة ٢٠قال: وهذا الكلام غاية المدح، لا لأنها جهلت حال الموتى ولكنها دلت على أنه لم تعرف منه كذبة قط حتى يعتد عليه بها ميتاً.
وقال سليمان بن قتة، وهو مولىً لبني تيم، وانقطاعه إلى بني هاشم يذكر يوم الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله: الطويل
مررت على أبيات آل محمّدٍ … فلم أرها كعهدها يوم حلّت
فلا يبعد الله الدّيار وأهلها … وإن أصبحت من أهلها قد تخلّت
وكانوا رجاءً ثم عادوا رزيّةً … فقد عظمت تلك الرّزايا وجلّت
وإنّ قتيل الطّفّ من آل هاشمٍ … أذلّ رقاب المسلمين فذلّت
وعند غنيٍّ قطرةٌ من دمائنا … سنجزيهم يوماً بها حيث حلّت
إذا افتقرت قيسٌ جبرنا فقيرها … وتقتلنا قيس إذا النّعل زلّت
قال أبو العباس: أنشدنيها الرياشي، وأنشدني ما بعدها مما أمليه إلى انقطاعه.
وقال الفرزدق يذكر ابني مسمع، وكان قد قتلهما معاوية بن يزيد ابن المهلب بعد قتل ابنه، وكانا مروانيين، وكان سائر بكر بن وائل مع يزيد بن المهلب، وكان المنتوف مولى بني قيس بن ثعلبة، على شرطة يزيد، فقتل لسبب عنده مع يزيد فبكته بكر بن وائل وهو مولىً وأعرضت عن ابني مسمع وهما صليبةً. فقال الفرزدق: الطويل
تبكّي على المنتوف بكر بن وائلٍ … وتنهى عن ابني مسمعٍ من بكاهما
غلامان شبّا في الحروب وأدركا … كرام المساعي قبل وصل لحاهما
ولو كان حيّاً مالكٌ وابن مالكٍ … إذن أوقدا نارين يعلو سناهما
وقال الفرزدق أيضاً يرثي ابنين له ماتا في مدة يسيرة: الطويل
بفي الشامتين التّرب إن كان مسّني … رزيّة شبلي مخدرٍ في الضّراغم
وما أحدٌ كان المنايا وراءه … وإن عاش أيّاماً طوالاً بسالم
أرى كلّ حيٍّ لا تزال طليعةً … عليه المنايا من ثنايا المخارم
يذكّرني ابنّي السّماكان موهناً … إذا ارتفعا فوق النّجوم العواتم
وقد رزيء الأقوام قبلي بنيهم … وإخوانهم فأقني حياء الكرائم
ومات أبي والمنذران كلاهما … وعمرو بن كلثومٍ شهاب الأراقم
وقد كان مات الأقرعان وحاجبٌ … وعمروٌ أبو عمروٍ وقيس بن عاصم
وقد مات بسطام بن قيس بن خالدٍ … ومات أبو غسّان شيخ اللهازم
وقد مات خيراهم فلم يهلكاهم … عشيّة بانا، رهط كعبٍ وحاتم
فما ابناك إلاّ من بني النّاس فاصبري … فلن يرجع الموتى حنين المآتم
ويقال: خنين.
وماتت امرأة له أيضاً وبها جمل، فقال: الطويل
وجفن سلاحٍ قد رزئت فلم أنح … عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جوفه من دارمٍ ذو حفيظةٍ … لو أنّ المنايا أرجأته لياليا
وقال بعض الشعراء يعزي رجلاً عن ابنه: الكامل
اصبر لكّلّ مصيبةٍ وتجلّد … واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
وإذا ذكرت محمّداً ومصابه … فاذكر مصابك بالنّبّي محمّد
وقال الحكمي وأحسن جداً: الطويل
طوى الموت ما بيني وبين محمّدٍ … وليس لما تطوي المنيّة ناشر
لئن أوحشت مّمن أحبّ منازلٌ … لقد أنست مّمن أحبّ المقابر
وكنت عليه أحذر الموت وحده … فلم يبق لي شيءٌ عليه أحاذر
وهذا يشبه قول التيمي في يزيد بن مزيد: الوافر
لقد عزّى ربيعة أنّ يوماً … عليها مثل يومك لا يعود
وقال حارثة بن بدر الغداني يرثي زياداً: البسيط
صلّى الإله على قبرٍ وطهّره … عند الثّويّة يسفى فوقه المور
زفّت إليه قريشٌ نعش سيّدها … فالجود والحزم فيه اليوم مقبور
أبا المغيرة والدّنيا مفجّعةٌ … وإنّ من غرّت الدّنيا لمغرور
قد كان عندك للمعروف معرفةٌ … وكان عندك للنّكراء تنكير
وكنت تغشى وتعطي المال من سعةٍ … إن كان بابك أضحى وهو مهجور