باب من التعازي والتعزي في الأشعار
الجزء ١ · صفحة ٢٨وأما هاشم بن حرملة فإنه خرج غازياً، فلما كان في بلاد جشم بن بكر ابن هوازن، نزل فأخذ صفنته ويقال صفنه وخلا لحاجته بين الشجر ورأى غفلته قيس ابن الأسوار الجشمي فتبعه وقال: هذا قاتل معاوية، لا وألت إن وأل. فلما قعد لحاجته تستر له بين الشجر حتى إذا كان خلفه أرسل عليه معبلةً ففلق قحقحه، وهو العصعص الذي عليه عجب الذنب، فقالت الخنساء: الوافر
فدىً للفارس الجشميّ نفسي … وأفديه بمن لي من حميم
فداك الحيّ حيّ بني سليمٍ … بظاعنهم وبالأنس المقيم
كما من هاشمٍ أقررت عيني … وكانت لا تنام ولا تنيم
وكان هاشم من أشد العرب، وله يقال: مشطور الرجز
أحيا أباه هاشم بن حرمله … يوم الملوك حوله مغربله
يقتل ذا الذّنب ومن لا ذنب له
فقالت الخنساء ترثيه وأخاها صخراً: الوافر
بكت عيني وعاودت السّهودا … وبتّ اللّيل جانحةً عميدا
لذكرى معشرٍ ولّوا وخلّوا … علينا من خلافتهم فقودا
فكم من فارسٍ لك أمّ عمروٍ … يحوط سنانه الأنس الحريدا
الحريد: البعيد
كصخرٍ أو معاوية بن عمروٍ … إذا كانت وجوه القوم سودا
يردّ الخيل داميةً كلاها … جديرٌ يوم هيجا أن يصيدا
يكبّون العشار لمن أتاهم … إذا لم تصمت الأمّ الوليدا
فتابع بينهم وردٌ فأضحوا … مع الهلاّك قد لحقوا ثمودا
وقالت أيضاً ترثي صخراً: الطويل
ألهفي على صخرٍ لكلّ عظيمةٍ … إذا الخيل من طول القياد اقشعرّت
إذا الخيل شكّت في السّريح وطابقت … طباق الكلاب في الهراش وصرّت
يقال: شك الفرس والبعير وغير ذلك من الظهر إذا ظلعت ظلعاً خفيفاً كما قال ذو الرمة: البسيط
......................... … كأنّه مستبان الشّك أو جنب
وإنما هذا من الخيلاء في هذا الموضع. وطابقت أي وقعت أرجلها مكان أيديها وصرت آذانها.
وخيلٍ تنادى لا هوادة بينها … مررت بها دون السّوام ومرّت
كأنّ مدلاًّ من أسود تبالةٍ … يكون لها حيث أستدارت وكرّت
شددت عصاب الحرب إذ هي مانعٌ … فألقت برجليها مريّاً ودرّت
وكان أبو حسّان صخرٌ يصدّها … ويرغثها بالرّمح حتّى أقرّت
وكانت إذا ما حالبٌ يستدرّها … تقته بإيزاغٍ دماً واقمطرّت
اقمطرت: معناه اشتدت وقالت أيضاً ترثيه: الطويل
أمن حدث الأيّام عينك تهمل … تبكّي على صخرٍ وفي الدّهر مذهل
ألا من لعينٍ لا تجفّ دموعها … إذا قيل تفنى تستهلّ فتحفل
على ماجدٍ ضخم الدّسيعة سيّدٍ … له سورةٌ في قومه ما تحوّل
قال: السورة ها هنا: الدرجة من الملك والقدرة العالية، من ذلك قول النابغة: الطويل
ألم تر أنّ الله أعطاك سورةً … ترى كلّ ملكٍ دونها يتذبذب
ويقول الرجل: سرت، فمعناه: ارتفعت وعلوت. قال العجاج: الرجز
يا ربّ ذي سرادقٍ محجور … سرت إليه من أعالي السّور
وقال الأخطل يصف خمراً خرجت حين فتح مبزلها: البسيط
لمّا أتوها بمصباحٍ ومبزلهم … سارت إليه سؤور الأبجل الضّاري
فما بلغت كفّ امريءٍ متناولٍ … من المجد إلاّ حيث ما نلت أطول
وما بلغ المهدون في القول مدحةً … وإن كثرت إلاّ الّذي فيك أفضل
وما الغيث في جعد الثّرى دمث الرّبى … تبعّق فيه الوابل المتهلّل
بأجزل سيباً من نداك ونعمةً … تعمّ بها بل سيب كفّك أجزل
وجارك محفوظٌ منيعٌ بنجوةٍ … من الذلّ لا يؤذى ولا يتذلّل
من القوم مغشيّ الرّواق كأنّه … إذا خاف صبحاً خادرٌ متبسّل
شرنبث أطراف البنان ضبارمٌ … له في عرين الغاب عرسٌ وأشبل
هزبرٌ هريت الشّدق رئبال غابةٍ … مخوف اللّقاء كاليء العين أنجل