باب من التعازي والتعزي في الأشعار
الجزء ١ · صفحة ٢٧فلا والله لا تسلاك نفسي … لفاحشةٍ أتيت ولا عقوق
ولكنّي رأيت الصّبر خيراً … من النّعلين والرّأس الحليق
وكانوا في الجاهلية إذا بالغوا في الجزع حلق النساء رؤوسهن، ولطمن خدودهن بالنعال.
وقال عبد مناف بن ربيع الهذلي يذكر أختيه: البسيط
إذا تأوّب نوحٌ قامتا معه … ضرباً أليماً بسبت يلعج الجلدا
ألا يا لهف نفسي بعد عيشٍ … تولّى بعده عيشٌ أنيق
وإذ يتحاكم الحكّام فينا … إلى أبياتنا وذوو الحقوق
وإذ فينا فوارس كلّ هيجٍ … إذا فزعوا وفتيان الخروق
الخروق جمع خرق، وهو المتسع من الأرض، وذلك قول رؤبة ابن العجاج: الرجز
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
أي المتسع. وقال بعض المفسرين في قول الله جل وعز: إنك لن تخرق الأرض قال: تبلغ قطريها. والقول الفاشي إنما هو تنقبها بأجمعها إلى حيث بلغت.
إذا ما الحرب صلصل ناجذاها … وفاجأها الكماة لدى المضيق
وكان من خبر مقتل معاوية بن عمرو، وكان أخا خنساء لأبيها وأمها، وكان صخراً أخاها لأبيها وكانت بصخر أمس لفضله على معاوية، ولم يكن معاوية متخلفاً بل كان لاحقاً في السؤدد بأخيه، أو دويبه شيئاً. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: حدثني أبو بلال وربما قال: أبو بلال سهم بن أبي بن العباس بن مرداس قال: غزا معاوية بن عمرو بن الشريد، أخو خنساء، مرة وفزارة، ومعه خفاف بن ندبة فاعتوره هاشم ودريد المريان، ابنا حرملة، فاستطرد له أحدهما ثم وقف، وشد عليه الآخر فقتله. فلما تنادوا: قتل معاوية ! قال خفاف: قتلني الله إن رمت حتى أثأر به فشد على مالك بن حمار، سيد بني شمخ بن فزارة فقتله وقال: الطويل
فإن تك خيلي قد أصيب صميمها … فعمداً على عيني تيمّمت مالكا
وقفت له علوى وقد خام صحبتي … لأبني مجداً أو لأثأر هالكا
علوى: اسم فرسه.
أقول له والرّمح يأطر متنه … تأمّل خفافاً إنّني أنا ذالكا
فلما بلغ صخراً قتل أخيه، أتى مرة في الشهر الحرام فوقف على ابني حرملة، فإذا أحدهما به طعنة في عضده، فقال: أيكما قتل معاوية ؟ فسكتا، فقال الصحيح للجريح: مالك لا تجيبه ؟ فقال: وقفت له فطعنني هذه الطعنة، وشد عليه أخي فقتله، فأينا قتلت فقد أدركت بثأرك، أما إنا لم نسلب أخاك. قال: فما فعلت فرسه السماء ؟ قال: ها هي تيك، ردوها عليه، فردوها. فلما أتى صخر قومه قالوا: اهجهم. قال: ما بيننا أجل من القذع، لو لم أكفف عن هجائهم إلا رغبةً بنفسي عن الخنا لكففت. وقال: الطويل
وعاذلةٍ هبّت بليلٍ تلومني … ألا لا تلوميني كفى اللّوم ما بيا
تقول: ألا تهجو فوارس هاشمٍ … ومالي إذ أهجوهم ثمّ ماليا
أبى الشتم أنّي قد أصابوا كريمتي … وأن ليس إهداء الخنا من شماليا
إذا ذكر الإخوان رقرقت عبرةً … وحيّيت رمساً عند ليّة ثاويا
إذا ما امرؤٌ أهدى لميتٍ تحيّةً … فحيّاك ربّ النّاس عنّي معاويا
وهوّن وجدي أنّني لم أقل له … كذبت، ولم أبخل عليه بماليا
ثم زاد عليها بيتاً بعدما أوقع بهم فقال:
وذي إخوةٍ قطّعت أرحام بينهم … كما تركوني واحداً لا أخا ليا
ثم غزاهم في العام المقبل فلما دنا وعلا السماء قال: إني أخاف إذا طلعت أن يعرفوا طلعة السماء، فحمم غرتها، فلما أشرف على أداني القوم قالت امرأة لابنها: هذه، والله، السماء. فنظر إليها فقال: السماء غراء، وهذه بهيم، فلم يشعروا إلا والخيل دوائس، وقتل صخر دريداً وأصابوا في مرة، فقال: الكامل
ولقد قتلتكم ثناء وموحداً … وتركت مرّة مثل أمس المدبر
ولقد دفعت إلى دريدٍ طعنةً … نجلاء تزغل مثل غطّ المنخر
قوله: تزغل أي تفيض بسجال الدم. قال ابن أحمر يعني القطاة إذا مجت الماء في حوصلة فرخها: السريع
فأزغلت في جيده زغلةً … لم تخطيء الجيد ولم تشفتر
والإيزاغ مثل الإزغال.